نوفمبر 30, 2021

أنصار الثورة

عين على الحدث

مجلة تعريب الطب تنشر مقالاً علمياً للدكتور سلمان الزياني عن «الصحة المستدامة وتحديات جائحة كورونا»

نشرت مجلة تعريب الطب الصادرة من المركز العربي لتأليف وترجمة العلوم الصحية في احدث اصدرا لها مقال للدكتور سلمان حمد الزياني، استاذ الصحة العامة المساعد بكلية الطب والعلوم الطبية بجامعة الخليج العربي حمل عنوان “الصحة المستدامة وتحديات جائحة كورونا” وتحدث فيه عن تفصيل هجمة فيروس كورونا (كوفيد – 19) وكيف اجتاحت العالم بكل ما فيها من تبعات.

وقال الدكتور الزياني في المقال أن سكان العالم استقبلوا اللحظات الأولى من العام 2020 بهجمة شرسة من عدو خفي أطلق عليه اسم كورونا المستجد، وكانوا لا يعرفون عنه الا اسمه وبعضاً من أفراد عائلته، ثم استيقظ العالم بعدها بأيام قليلة على صيحات منظمة الصحة العالمية بإعلانه جائحة اجتاحت العالم بأسره، أوقفت الحكومات عن العمل، وحبست الناس في منازلهم، ومنعت الأطفال عن مدارسهم، ولونت البورصات العالمية باللون الأحمر، وصبغت مدن العالم باللون الأسود، وقيدت الطائرات في مطاراتها، وقطعت سبل المسافرين في اراضٍ لا يعرفونها، وأوقفت البوارج في البحار بحملها وعدتها وعتادها، وأغلقت المساجد وأوقفت المسارح وجمدت الملاعب.

موكداً أن الأطباء والممرضين والعاملين في القطاع الصحي وحدهم الذين لم يتأثروا بهذه الجائحة بل حاربوها دون هوادة، ووحدهم الذين استمرو بالعمل، دون كلل او ملل، وأضاف قائلاً: “أمست الأنظمة الصحية في دول العالم الخط الدفاعي الأول في وجه هذا العدو الخفي، منها من اعلن استسلامه قبل بدء المعركة، ومنها من غرق بالمرضى ولم يعرف كيف يستوعبهم، ومنها أنظمة نجحت في احتوائه، وإن لم يكن يتوقع لها أن تصمد وتكافح وتقاتل هذا العدو وتنتصر عليه، حيث اختلت الموازين؛ فهذه الجائحة لم تعترف بدول عظمى ودول صغرى، ولا عالم أول وعالم ثالث، بل كشفت عن ميزان قوى جديد، كشفت للعالم بأن قوة الدول لا تقاس بجيوشها وأسلحتها فقط، بل وبأنظمتها الصحية كذلك، واستثمارها في استدامة صحة ورفاهة شعوبها”.

واستعرض الدكتور الزياني في المقال كيف تعرّف منظمة الصحة العالمية مفهوم الصحة بأنها حالة من اكتمال السلامة بدنياً وعقلياً واجتماعياً، لا مجرّد انعدام المرض أو العجز، مستشهداً بتعريف العالم وينسلو Winslow عندما عرف الصحة العامة بأنها علم وفن الوقاية من الأمراض وإطالة العمر وتعزيز الصحة من خلال الجهود المنظمة والاختيارات المستنيرة للمجتمع والمنظمات والمجتمعات العامة والخاصة والأفراد. وقال: “يمكن تصوير الصحة العامة بشكل أفضل عند مقارنتها بالطبيب الذي يعالج أحد المرضى ويشخصه ويصف له العلاج الملائم بشكل شخصي، أما الصحة العامة، فإنها تعنى بالمجتمع وصحته والأمراض التي ممكن أن تصيب السكان وكيف يمكن الوقاية منها، وبالتالي تتمكن من وضع السياسات الصحية للحد من مضاعفات هذه الأمراض بين المصابين ولوقاية بقية أفراد المجتمع منها، ثم تنظر إلى الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية لهذه الأمراض وكيف يمكن الحد منها، وهذا ما نراه جلياً الآن في التعامل مع الجائحة”.

وطرح مجموعة تساؤلات صاغها في: هل مكتسبات الصحة العامة وإنجازاتها وسياساتها مؤقتة أم دائمة؟ وهل يمكن لبلد ما أن يحافظ على مكتسباته الصحية لسنوات وعقود؟ أم ان هذه المكتسبات والإنجازات عرضة للانهيار والضياع في أي لحظة وتحت أي ظرف؟ ليجيب موضحاً: “هنا جاءت الأمم المتحدة وتبنت مفهوم الصحة المستدامة عبر أهداف التنمية المستدامة، والذي لم يكن نتيجة لهذه الجائحة، ففي سبتمبر 2015 وأثناء انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، تم إعلان أهداف التنمية المستدامة للعام 2030، وهي 17 هدفاً اعتمدها قادة العالم للعمل من أجل تحقيق الرفاهية والمستقبل الأفضل للجميع وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار، ومن ضمنها أهداف الصحة الجيدة والرفاه وتوفير المياه النظيفة والطاقة النظيفة والابتكار والمدن والمجتمعات المحلية المستدامة والعمل المناخي والسلام.
موضحاً أن أهداف التنمية المستدامة تقتضي العمل بروح الشراكة وبشكل عملي حتى يمكننا اليوم اتخاذ الخيارات الصحيحة لتحسين الحياة بطريقة مستدامة للأجيال القادمة. حيث يهدف الهدف الثالث المعني بالصحة الجيدة والرفاه، إلى ضمان تمتع الجميع بأنماط عيش صحية وبالرفاهية في جميع الأعمار.
وخلص إلى ان جائحة كورونا شكلت تحدياً كبيراً غير مسبوق واختباراً حقيقياً للأنظمة الصحية حول العالم، “على الرغم من المكتسبات التي تحققت قبل الجائحة، إلا انها شكلت ضربة كبيرة للقطاع الصحي حول العالم، وكشفت الكثير من أوجه القصور في الأنظمة الصحية، سواء تلك المدعومة من الدولة، او التي تمول عن طريق التأمين والضمان الصحي”، وأشار في الوقت ذاته إلى ان مفهوم الصحة المستدامة لا يقتصر على الجانب المالي والاقتصادي، بل يمتد إلى الموارد البشرية، والأيدي العاملة المتخصصة والمدربة في المجالات الطبية والتمريضية والصيدلانية والخدمات الطبية المساندة، وقدرة البنية التحتية للمستشفيات والمراكز الصحية، ومرونة النظام الصحي بحيث يستطيع ان يستجيب في أي لحظة إلى حالة طوارئ غير مسبوقة مثل جائحة كورونا، مع الحفاظ على سير بقية الخدمات الصحية دون أن تتأثر، حيث يمكن للقارئ تخيل حجم الجهد والمسؤولية الملقاة على عاتق أي مستشفى في العالم لأن يحافظ على جداول العمليات الجراحية وغرف الولادة والأجنحة وأقسام العناية المركزة والمختبرات الطبية بحيث تواصل عملها بانتظام، دون أن تتأثر بالجائحة التي جاءت دون سابق انذار واستهلكت جميع الموارد السابق ذكرها بل وألزمت المستشفيات بتوفير أجنحة خاصة وطواقم طبية وتمريضية متفرغة كلياً للتعامل مع مرضى هذه الجائحة عافاهم الله وشافاهم.

وقال في ختام المقال: “ها نحن ذا قد بلغنا الربع الأخير من العام 2021 وبالرغم من وجود اللقاحات فإن العالم لا يزال يعيش الموجات المتكررة من هذه الجائحة وظهور الفيروسات المتحورة مثل الفا وبيتا ودلتا، ولا زالت أرقام الإصابات والوفيات في تزايد مستمر، مما يؤكد لنا أهمية الاستثمار في الأنظمة الصحية المستدامة، التي لا تتأثر وقت الأزمات وقادرة على التكيف ومواصلة العمل مع جميع المتغيرات سواء كانت صحية أو اجتماعية أو اقتصادية.