د سام نان

عاصفة الغضب.. إلى أين؟!

د سام نان

لقد احتدم الموقف كثيراً بين الصين واستراليا إلى حد العاصفة الغاضبة التي هبت بين البلدين.
فمنعت الصين صادرات استراليا وفرضت ضرائب باهظة على الصادرات الاسترالية حتى كبد ذلك خسائر فادحة أكثر من 115 مليار دولار سنوياً.
وأخيراً استطاعت الصين جذب انتباه أستراليا بتغريدة شديدة التحريض من متحدث باسم الحكومة. أثارت رد الفعل المطلوب لتعبر عن عاصفة الغضب.
هذا هو الحدث الجديد في قائمة المشكلات بين أستراليا والصين والذي اعتبرته الصين بمثابة رد الكرامة، أو رد الاعتبار.
حيث إنه في الأيام الأخيرة، فرضت الصين تعريفات جمركية جديدة على النبيذ، بينما هددت أستراليا باتخاذ إجراءات قانونية بشأن الشعير.
مما لا شك فيه، قد تعود الصداقة بين أستراليا والصين في أي وقت آجلاً أو عاجلاً، لكن هل يمكنهما إعادة ضبط العلاقات الثنائية قبل تفاقم الآثار التدميرية جرّاء عاصفة الغضب بينهما؟
أتمنى أن يفكر الرئيس موريسون ويسأل نفسه سؤالاً «لا بُدّ منه» ماذا يمكن أن تفعل الحكومة الأسترالية إذا أرادت إعادة العلاقات مع الصين؟
أرى أن «الذات» الدولية تمنعه أن يعلن هذه الأفكار، ولكن هذا لا يمنع أنه فكّر في هذا الأمر، ولكنه لا يريد أن تخسر استراليا مكانتها بالتراجع عما كانت مصرة عليه في بدء التحقيق الدولي مع الصين بشأن منشأ فيروس كورونا.
في بعض الأحيان عندما أصدرت الصين عقوبات اقتصادية ، كانت النتيجة المرجوة واضحة – مثل الضغط على كوريا الجنوبية لإلغاء نظام دفاع صاروخي. لكن في حالة أستراليا، فإن استياء الصين ليس موجهاً نحو سياسة واحدة. من المنطقي أن أستراليا كانت تتصرف بطريقة غير ودية وعدائية وهذا له عواقبه الوخيمة.
نحن نعلم هذا لأن الصين سربت مؤخرًا قائمة من 14 نقطة من المظالم عبر وسائل الإعلام الأسترالية. لم تحتوي على أي مفاجآت، لكنها مفيدة لإظهار المكان الذي قد يكون هناك مجال للمناورة فيه. من بين 14 لم يكن هناك سوى القليل منها فيما يتعلق بما أعتبره مصالح غير قابلة للتفاوض. وتتعلق هذه الانتقادات بانتقاد أستراليا لانتهاكات حقوق الإنسان في الصين، والهجمات الإلكترونية، ونزاع بحر الصين الجنوبي.
يجب أن نضع اعتباراً أيضاً للتنفيس الصيني عن الغضب الكامن في حكومتها نتيجة موقف استراليا- مثل انتقاد الصين لقوى التدخل الأجنبي الأسترالية وقرار أستراليا استبعاد Huawei و ZTE من شبكة 5G بسبب مخاوف تتعلق بالأمن القومي. ولكن من الناحية الواقعية، أرى أن أستراليا لن تنفذ هذا على أرض الواقع.
وبالمثل، فإن دعوة أستراليا للتحقيق في منشأ فيروس كوفيد-19، والأسئلة حول أصول الفيروس، والغارات المزعومة على الصحفيين الصينيين وإلغاء التأشيرات للعلماء الصينيين، أصبحت الآن في الماضي.
لكن اللغة المستخدمة في النقاط الـ 14 تشير إلى أن العديد من المشاكل لا تتعلق بالسياسة بقدر ما تتعلق بكيفية توصيلها، مثل إعلان رئيس الوزراء السابق مالكولم تيرنبول أن تشريع التدخل الأجنبي هو «الوقوف في وجه الصين».
قد تشعر أستراليا بالأسف لكونها قاسية للغاية مع الصين دون التفكير في العواقب الاقتصادية ونكبات الركود الاقتصادي التي قد تحل على استراليا والتي قد تؤدي بدورها إلى نزةل سعر الصرف بالنسبة للدولار الاسترالي في ظل أيام صعبة وريح شديدة تهب على العالم كله «اقتصادياً».
إن معاقبة أستراليا اقتصاديًا في الصادرات قد يكون له تأثيره السلبي على الصين، ولكن بالقدر القليل، ولكن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى استراليا، بل كان وسيكون له تأثيرات سلبية وخيمة على المجتمع الاسترالي داخلياً وخارجياً أيضاً.
إذا كانت المشكلة الأساسية هي تصور أن أستراليا غير ودية، فإن هذا يشير إلى أن أفضل طريقة لإظهار الرغبة في علاقات أفضل هي من خلال لفتة صغيرة «باقة ورد» من استراليا إلى الصين، وقد قالت الصين قبلاً انها تريد أفعالاً وليس أقوالاً ، لذا فإن الخطاب وحده لن يقطعها.
إذا كانت أستراليا تريد الإشارة إلى رغبتها في أن تكون أكثر صداقة دون تغيير أي من سياساتها، فماذا يمكن أن تفعل؟
على موريسون أن يعلن تخليه عن موقفه بخصوص إقامة تحقيق دولي مع الصين بشأن منشأ فيروس كورونا المستجد. وعليه أن يتصالح مع الصين.
وقد تكون هناك تنازلات من قبل استراليا تجاه الصين، ولكن هل ستقابل الصين هذه التنازلات بمحبة أم سيتمسكون بموقف الأقوى والفائز في الصراع السياسي بين بلدين، وتحاول الصين عندئي التعسف على استراليا أكثر كالأضعف.
أولاً: هذا الأمر نسبي ولا أحد يعلمه، قد يتنبأ المحللون السياسيون والاقتصاديون بالنتائج، لكن النتائج الواقعية قد تكون غير متوقعة، والأمر يحتاج إلى التفكير فعلاً.
ثانياً: أرى أنه حتى إذا كان موقف الصين سلبياً فهذا قد يكون ليس جيداً معنوياً لاستراليا أمام دول العالم، ولكن الموقف الاقتصادي سيظل كما هو ولن يكون أسوأ مما هو عليه.
الحقيقة أن الأمر ليس مطروحاً على طاولة النقاش في البرلمان الاسترالي، وأرى أنه على موريسون عرش الأمر على مجلس الشيوخ واستفتاء الأمر ماذا يجب على استراليا أن تفعل إزاء الصين لتنجنب الانحدار الاقتصادي وتصبح الأمور أسوأ مما هي عليه الآن.
فمن الضروري متابعة المصلحة الوطنية من خلال تهيئة الجمهور للنظر إلى الصين على أنها حليف وليست عدو اقتصادي أو سياسي، بدلاً من اعتبارها تحديًا يجب إدارته. فلا بد من وضع الخيارات المقترحة أمام البرلمان وطرح ما هو لصالح استراليا سياسياً واقتصاديا بغض النظر عن نظرة التحدي.
على مجلس الشيوخ أن يناقش مشروع قانون للنظر في تحسين العلاقات مع الصين وكيفية الانسحاب من موقف استراليا تجاه الصين بشأن طلب إقامة تحقيق دولي مع الصين بشأن منشأ فيروس كورونا وتحويل الأمر إلى البحث في الخطوات المستقبيلة للقاح كورونا والقضاء على الوباء بصفة دائمة وكذلك البحث فيما يرفع البلاد اقتصادياً.
وأقول لاستراليا أنه إن كانوا يبحثون عن التحقيق في منشأ فيروس كورونا ستكون نتيجته معاقبة الصين بمبالغ مالية للعالم أجمع، فالصين ليس لديها ما تعاقب به اقتصادياً، بل دعونا ننظر في المرآة ونرى حقيقة انفسنا، ونفهم ما هل الصين حقيقة.
قد تتمكن الصين من معاقبة العالم اقتصادياً وليس العكس، قد تؤثر الصين على الاقتصاد العالمي وليس العكس.
بالتالي لم يكن من الحصافة أن نبحث عن معاقبة من لديها زمام الاقتصاد وننتظر انها سترضخ لأي عقاب يفرض عليها من القبل الدول العظمى.
ولتنتبه استراليا أن الصين إذا سحبت طلابها بالكامل من استراليا ومن أميركا فسوف يكبد البلدين العظمتين خسارات فادحة.
لقد ناقشت بالتفصيل سبب كونه تشريعًا فظيعًا من شأنه أن يفرض عبئًا كبيرًا على الامتثال ويؤثر سلبًا على مشاركة أستراليا الدولية. سيكون من مصلحة أستراليا الخاصة التخلي عنها والتوصل إلى استجابة أفضل وأكثر استهدافًا.
يبحث البرلمان أيضًا في تعديلات لقواعد الاستثمار الأجنبي، والتي حددتها الصين على رأس قائمتها بأنها «غير شفافة». يضع الاستثمار الأجنبي الأموال في الاقتصاد الأسترالي، لذا فهذه منطقة ذات اهتمام مشترك محتمل.
شكوى الصين هي الافتقار إلى الشفافية بشأن الاستثمارات التي تتم الموافقة عليها – فهي تعتبر العملية أيديولوجية. يمكن للحكومة الأسترالية، على سبيل المثال ، تأجيل التعديلات المقترحة والتشاور مع البلدان المستثمرة حول كيفية تحسين العملية لمصلحة أستراليا الذاتية.
سيقول البعض إن أستراليا لا يجب أن تفعل أيًا من هذه الأشياء على وجه التحديد لأن الصين قد تريدها. ولا تكاد الصين تساعد قضيتها من خلال ممارسة دبلوماسية خفية أو فعالة.
لكن اتخاذ قرار بالمعارضة يتيح للصين التحكم في سلوكك. نحن بحاجة إلى عقلية التفاوض. نحتاج إلى العثور على أشياء لا نمانع في إعطائها قيم الصين من أجل الحصول على ما نريد. هذا ليس «استسلام» أو «طاعة» – إنه يتصرف من أجل مصلحتنا الذاتية.
لا تملك أستراليا القدرة على إعادة تشكيل الصين لتصبح دولة مختلفة تمامًا. نحن بحاجة إلى التعايش معها. هذا يعني الوقوف في وجه الصين والتوافق – تقوية دفاعاتنا ، مع ضمان ازدهارنا الاقتصادي. بدون اقتصاد ، لا يمكن لبلد أن يدفع مقابل الحفاظ على سلامته
أستراليا ليست عرضة لهجوم عسكري، هجوم كما يمكن أن يكون «دبلوماسيي الذئب المحارب» الصين.
هناك خلافات بين أستراليا والصين يمكن ويجب إدارتها دبلوماسياً. ليس من الحتمي أن تكون لدينا علاقة سيئة – وهي بالتأكيد ليست علامة على النجاح إذا فعلنا ذلك.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *