سبتمبر 30, 2020

أنصار الثورة

عين على الحدث

«البارانويا» جنون العظمة .. أسبابه وعلاجه

يعتبر مرض جنون العظمة وهو باللاتينية «Paranoia» مرض نفسي مزمن يتسم بالوهم المرضي وهي أفكار يعتنقها المريض ويؤمن إيمانا وثيقا تتسبب في عدم تقدمه علميا وثقافيا وفكريا، وقد تتطور إلى أن تصدمه بواقع يجعله يحقد على كل مَنْ حوله إيماناً منه بأنهم ناقصين فكريا وعلميا وثقافياً وقد يلحق بهم أو بنفسه الضرر.

تعريف البارانويا

هو حالة مرضية ذهنية تتميز باعتتقاد باطل راسخ يتشبث به المريض بالرغم من سخافته وعدم قيامه على ادلة موضوعية وعدم صوابه.
وتتسم هذاءات المريض بالمنطق، لكنه منطق لا يقوم على أساس صحيح موضوعي ولكن أساسه الجدال الأعمى.
وهو اضطراب عقلي ينمو بشكل تدريجي حتى يصير مزمناً ويتميز بنظام معقد يبدو داخليا منطقيا ويتضمن هذاءات الاضطهاد والشك والارتياب فيسئ المريض فهم أية ملاحظة أو إشارة أو عمل يصدر عن الآخرين ويفسره على أنة ازدراء به ويدفعه ذلك إلى البحث عن أسلوب لتعويض ذلك فيتخيل أنه أعظم الكل وأنه عليم بكل شيء، وأن من حوله أناس متسمون بالجهل.

والمعنى العام أن البارانويا مرض عقلي يتمثل في هذاءات عقلية (delusions) قوامها الاضطهاد (persecution) من نوع معين يؤيده المريض ويدافع عنه بطريقة منظمة في حماس وإصرار.
وتشغل هذه التوهمات جزءاً صغيراً أو كبيراً من عقله محاولة أن تتوسع لتشمل العقل, وترتبط هذه التوهمات وتصبح في انسجام مع موضوعها وتكون هلاوس سمعية أو صوتية أو بصرية.
فتجد مريض البارانويا أحيانا يتكلم مع نفسه بصوت عالٍ دون أن يدري ويناقش ويرد على نفسه.
فإن لم يجد المريض مَنْ يجادله فهو يجادل نفسه.
ويتسم مريض البارانويا بالعناد والتمسك الزائد بالآراء والأفكار الخاطئة مع قضاء الوقت منفرداً لإيجاد المبرر لها قبل تبنيها.
غير أن مريض البارانويا غالبا لا يعترف بالخطأ بل يملأه الغرور ودائماً يرجع فشله إلى الآخرين.
ومريض البارانويا ليس مهووساً أو مختلاً، بل غالبا تكون أوهامه منظمة وأفكاره ثابتة ودائمة ونادراً ما يعتريه الغضب أو العصبية، وذلك اعتقاداً منه أن الإخرين جهال ولا حول لهم ولا قوة أمام مناقشاته العقيمة وجداله الزائف.
أعراض البارانويا

< عدم الاعتراف بالخطآ.
< الاعتذار موقوف على حلّ
مشكلة بشرط التبرير.
< الاعتقاد والإيمان المبالغ فيه وغير المبني على أسس واقعية.
< النقاش العقيم الملل الذي يهدف به المريض إلى إرهاق ذهن المتحاور معه إلى أن يمل فيستسلم لأفكار يعلم أنها خاطئة إرضاءاً للمريض أو لإنهاء الجدال العقيم.
فمريض البارانويا يشك دائما في نوايا الآخرين ويرتاب في دوافعهم، وأفكارهم، وغالباً ما يحاول أن يقنعهم بأنهم جُهّال وغير فاهمين، ولكنه لا يتلفظ بهذه الألفاظ بل يستخدم الإسقاط بالكلمات المتوارية التي تحمل معنيان أو أكثر، ويعتقد دائماً أن الناس لا يقومون بتقديم خدماتهم أو مساعداتهم إلا لغاية في انفسهم، فتنصرف عنه الناس، عندئذ تزداد شكوكه فيهم وتقوى عنده مشاعر الحقد والغضب عليهم، فهو يرى نفسه ضحية لتآمرهم عليه. وبمرور الوقت تتحول حالته إلى الشعور بالاضطهاد، فيعزو ما لديه من اختراعات وهمية وما أصابها من إخفاق إلى مضطهديه وكارهي الخير.

وهو يضخم الأمور، ويتصرف بشكل عداوني فيلجأ إلى شيئين:
1- التحويل اي بدلاً من أن يعلن أنه قد أخطأ يبدأ في تبرير أخطاؤه أو يعلن أنه أخطأ ولكن بسبب الآخرين أو بسبب الظروف المحيطة.

2- الإسقاط المتواري: أي أنه يسقط أحقاده على الآخرين بكلام مقنع يحمل معنيان أو ثلاثة، فإذا شعر الآخر بألم نفسي نتيجة الإسقاط وسكت، يزيد مريض البارانويا ويعيد إلى أن يئن الآخر ويعلن رفضه لهذه الإسقاطات، وبعدما يقع مريض البارانويا في دائرة الخطأ فهو لا يعترف بالخطأ بل يبدأ في إعلان المبررات لهذا الخطأ، وغالباً ما تكون «توريات الكلمات»، كمن يقول مثلا لشخص (أنت كنّاس) وعندما يغضب الآخر من هذه الكلمة يبدأ مريض البانويا في إعلان أنه لم يقصد (كنّاس) يكنس الشارع بل كالناس أي مثل الناس.
أنواع البارانويا

< بارانويا الاضطهاد:
كأنه يعتقد ان الناس من حوله يتآمرون عليه ويريدون إلحاق الأذى عن عمد، لأنه أفضل منه.

< جنون العظمة:
كأن يعتقد المريض أنه شخصية مرموقة بالغة الأهمية أو النفوذ، متوهماً أنه أفضل من شخصيات عالمية في أي مجال من المجالات التي يشعر بالنقص فيها..
فمثلاً يشعر أنه أفضل كاتب قصصي وأنه يمكنه كتابة كتاب يتفوق به على أي أديب في العالم.. بالرغم من أن الحقيقة أنه بالكاد يكتب سطراً مكوناً من كلمات مبهمة غير مفهومة وليست مفيدة بالمرة.

< بارانويا النصح والإرشاد:
يتوهم مريض البارانويا أنه يمكنه تقديم النصح والإرشاد للآخرين، ويركز في هذا على مَنْ هم أكبر منه سناً وعلماً، حتى يثبت لهم أنهم بالرغم مما وصلوا إليه من علم وبالرغم من فارق السنّ إلا أنه يفهم عنهم ويمكنه أن يقدم لهم المشورة السديدة في أمور حياتهم.
غير أنه يركز دائماً في نصحه لهم في المجال الذي يشعر هو فيه بالنقص، فمثلا لو كان هناك شخص يعمل في مجال الإنترنت، يقوم مريض البارانويا بنصحه بالبحث عن برنامج حماية للمواقع الإلكترونية أفضل مما يستخدمه، رغم أنه لا يعرف أسماء برامج الحماية ولا يفقه شيء فيها.
وعندما يسأله الآخر «ما هو برنامج الحماية الذي تنصحني به؟» يمتنع مريض البارانويا عن أن يجيبه ويبدآ في تغيير الموضوع ثم يتهمه أنه يريد أن يوقعه في شرك أو مكيدة.

< بارانويا التلميح المبرر:

فمريض البارانويا غالباً ما يلقي بكلمات تحمل معنيان: الذم «وهو ما يقصده»، والمدح «وهو ما يبرر به مقصده».
ويستمر مريض البارانويا في التلميح والتبرير إلى أن يصدمه الآخرون ويواجهونه بحقيقته.
أسباب الإصابة بالبارانويا

< أسباب تتعلق بالطفولة:

بالعودة إلى طفولة الشخص المصاب بجنون العظمة، نرى أنه كان يتسم بالوحدة والعزلة الاجتماعية وقلة الاصدقاء وعدم القدرة على تبادل الثقة والتقلب الانفعالي وعدم الأمن والشك والعناد، والتبرم والعصبية والحزن. وكلما اقترب الطفل من سن الشباب تزداد السمات التي كان يتسم بها في طفولته لتصل إلى حدود الأنانية والمبالغة في تصور الأمور وتعقيدها والتذمر والعدوان كما تزداد لديه مشاعر الاضطهاد أو العظمة.
وفي سنوات الرشد تتضح سمات شخصيته أكثر فنرى أنه شخص متزمت، يُكثر من النقد والملاحظة، ويستخف بالآخرين ويعتبرهم ناقصين علم ومعرفة وثقافة.

< نوائب الحياة:

قد يكون للكرب المفاجئ دورٌ هامٌ جداً. فيمكن لفقد العمل أو انتهاء علاقة أن يجعل الفرد يشعر بعزلة شديدة ما يجعله ينطوي على ذاته ويشعر بعدم الاطمئنان وبوقوعه تحت تهديدٍ دائم. نوائب الحياة التي تتضمّن خيانة أو ألم عاطفي، مثل الاضطهاد في مكان العمل أو السطو على المنزل، يمكنها أيضاً أن تكون أساس الأفكار الارتيابية التي يمكن أن تتطوّر لاحقاً إلى زور.

< القلق والاكتئاب:

يعمل القلق والاكتئاب كمحفزين لتفاقم مرض جنون العظمة عند بعض الأشخاص، فالشخص المصاب بالقلق يكون عصبياً على الأغلب وأكثر فزعاً من المعتاد. يقلل الاكتئاب تقدير الذات ويجعل الشخص يخطئ في تفسير نوايا الآخرين تجاهه.

< النوم السيء:

النوم السيء أيضاً له وقعٌ كبير في الإصابة بالبارانويا، إذ أن عدم النوم بشكل منتظم ينمي عنده المخاوف والقلق.
وعندما يكون الشخص بمفرده مع أفكاره، وعند الشعور بالتعب الدائم يمكن أن يحفز ذلك على الإحساس بعدم الأمان.

< العقاقير والكحول:

تشكل المواد الكيماوية عاملاً أحياناً، فالمخدرات والعقاقير مثل الكوكائين والحشيش والكحول وحبوب الهلوسة والـLSD والأمفيتامين يمكن أن تزيد من احتمالات الإصابة بالبارانويا.

< تأثيرات الطفولة:

قد يلعب ما حصل في الطفولة دوراً في الإصابة بالبارانويا. فإن تعرض في طفولته لحدث اضطهادي أو شيء مخجل، فإن هذا ينمّس عنده الإحساس بأن العالم مكان غير آمن البتة وأن الناس غير جديرين بالثقة، ويلعب ذلك الإحساس دوراً هاماً في طريقة التفكير بعد الرشد.
أما إذا كان الشخص مدلل في طفولته فإن ذلك يخلق منه شخصاً عديم الشخصية وغير نافع في لمجتمعه فيحاول أن يعوض ذلك النقص بأفكار غير موضوعية وغير بناءة، وغالبا ما يختار مريض البارانويا أفكار يستحيل تنفيذها وذلك ليثبت للآخرين أنه صاحب أفكار اختراعية ولكن عدم تنفيذها يرجع إلى قصور في الماديات أو الظروف المحيطة.

< الأسباب الجسدية:

قد يرتبط جنون العظمة بأمراض جسديّة معيّنة، مثل نقص السمع والتلعثم في الكلام وضعف النظر وغيرها من الأمراض الملازمة للمريض بقية حياته، مما يجعله يريد تعويض ذلك خصوصاً في المجال الذي يعوقه جسده عن القيام به، فمثلاً الشخص ضعيف النظر يرى في نفسه أنه أفضل شخص يصلح أجهزة دقيقة متناهية الصغر.
والمتلعثم في الكلام يرى في نفسه أنه أفضل مذيع برامج في العالم. وضعيف البنية يحاول أن يثبت للآخرين أنه يمكنه مصارعة أسد مفترس والقضاء عليه في ثوانٍ معدودة.

< الصراع النفسي:

إن الصراع النفسي بين رغبات الفرد في اشباع دوافعه وغرائزه وخوفه من الفشل في إشباعها لتعارضها مع المعايير الاجتماعية والمثل العليا، يسبب له حالة من الحقد على الآخرين والميل إلى الانتقام منهم، مع الشعور الدائم أنه أفضل منهم ويحاول أن يثبت لهم ذلك عن طريق الإسقاط الكلامي أو تأليف قصص وهمية لا أساس لها.
علاج «البارانويا»

 

يمكن عـلاج البارانويا من خلال المسارات والخطوات التالية :

> البدء في استخدام العـلاج المعـرفي عـن طريق تعـريف المريض بالمنبهات التي ترتبط بالاعـتقادات الخاطئة مثل سلوكيات الناس أو أجهزة الإعـلام وغـيرها، بأن يذكر للمريض أن هذه الأجهزة هي أجهزة عـامة ولا يوجد شخص تسخر له هذه الأجهزة أو هؤلاء الناس حتى لو كان ملكا، ويجب أن يتعـلم المريض إيقاف التفكير في هذا الاتجاه والانشغـال بأنشطة أخرى.

> تدريب المريض عـلى أن يقول لنفسه كلمة «خلل» “Defect” عـندما يشاهد أحد العـناصر التي يعـتقـد بأنها تخاطبه مثال: عـندما يعـتقـد أن حديث أحد الأفراد بجانبه إنما هو حديث موجه إليه، فإنه يقول لنفسه “خلل” وكذاك عـندما يعـتقـد أن التلفزيون يوجه رسالة إليه، وهذا يحدث تشريط معـرفي سلبي.

> يجب تدريب المريض عـلى وقف التحليلات المفرطة للمواقف مثل فكرة اشتراك عـدة أفراد في السلوك العـدائي نحوه، لأن الناس أهدافهم متباينة ولا يتفقون في صف واحد معـا إلا فيما ندر.

> تعـليم المريض أساليب التوافق مع المجتمع المحلي، مع عـدم القيام بسلوكيات تتعـارض مع قيم ومعـايير المجتمع حتى لا يزيد التوتر مع الآخرين.

> يجب تقـوية المكونات والأفكار الخاصة بالفرد في مواجهة أي أفكار خاطئة، وهذا التثبيت للأفكار الخاصة يحميه من الانجراف نحو التفسير الخاطئ لأمور الحياة.أي عـدم الانتباه لآراء الآخرين وأفكارهم والتركيز عـلى أفكاره وقيمه الخاصة.

> ومع انه لا يوجد علاج ناجح للبارانويا بشكل قاطع بسبب طبيعة المرض المتوسطة بين الذهان والعصاب، حيث ان المريض غير قادر على تبرير موقفه في الذهان ولدية الاستبصار والقلق في العصاب. بل هو يعاني ثم يسقط على الغير الإثم واللوم…مع هذا فمن الممكن أن يكون العلاج إجراءات تقوية صحة المريض عموما وتهدئته سواء كانت دوائية إلى جانب العلاج النفسي الذي يهدف إلى تغيير ظروف معيشة المريض.