نوفمبر 28, 2020

أنصار الثورة

عين على الحدث

الهيمنة الألمانية على الاقتصاد الأوروبي تتعاظم مع «الخروج البريطاني»

يمر الاتحاد الأوروبي حاليا بواحدة من أصعب المراحل التي مر بها عبر تاريخه الطويل، فلأول مرة ترغب إحدى دول الاتحاد في الخروج من النادي الأوروبي. والمشكلة أن الدولة الراغبة في الخروج هي بريطانيا، ثاني أكبر اقتصاد أوروبي بعد ألمانيا وخامس أقوى اقتصاد في العالم.
فالاتحاد على الرغم من خسارة اقتصاد يمثل عنصر قوة كبيرة له، وليس بصدد مغادرة اقتصاد لدولة هامشية، أو نظام اقتصادي ضعيف ومنزو يمكن للاتحاد أن يغض الطرف عنه إذ ما خسره، إلا أن المأزق في الحقيقة يتجاوز ذلك بكثير، إذ إن خروج بريطانيا يعني بشكل أو بآخر إعادة توزيع مراكز القوى الاقتصادية داخل الاتحاد مجددا، ويضعف من موقع الاقتصادات الأكثر ضعفا وهشاشة داخل الاتحاد، ويعزز من مركز ألمانيا وفرنسا وإيطاليا في بنية الاتحاد الأوروبي، ويجعل المستشارة الألمانية ذات كلمة أكثر تأثيرا في صياغة القرارات الاقتصادية للاتحاد.
ولكن إلى أي مدى تبدو تلك المخاوف منطقية؟ وإلى أي مدى يمكن أن تؤثر في طبيعة المفاوضات التي ستجرى بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا بشأن مغادرة لندن للاتحاد؟
ويعتقد الدكتور جا. كا. أندريه أستاذ الاقتصاد الأوروبي أحد أبرز المؤيدين للخروج من النادي الأوروبي، أن رحيل بريطانيا سيكشف للكثيرين من أعضاء الاتحاد طبيعة الهيمنة الألمانية عليه.
ويقول لـ»الاقتصادية»، إنه لا يمكن لأحد أن ينكر قوة الاقتصاد الألماني والدور المحوري له سواء في النظام الاقتصادي العالمي، أو في الاقتصاد الأوروبي، ووجود بريطانيا عضوا في الاتحاد وعلى الرغم مما تتمتع به من قدرات اقتصادية، بما في ذلك امتلاكها بعض أقوى المؤسسات المالية في العالم، لم يحول دون أن تكون برلين – خاصة عبر تحالفها مع الفرنسيين – المحرك الأساسي لاقتصادات بلدان الاتحاد، والمؤثر الأول في كيفية صياغة التوجهات الاقتصادية له.
ويضيف «هذا الأمر – وأعني السيطرة الألمانية – سيستفحل بخروج بريطانيا من عضوية الاتحاد، بل إن احتياج ألمانيا إلى فرنسا لمواجهة بريطانيا خلال التصويت على القرارات المختلفة، ستنتفي الحاجة إليه بالنسبة للجانب الألماني الآن، فتراجع قوة الاتحاد النسبية في الاقتصاد العالمي نتيجة خروج بريطانيا منه، لا يتنافى مع تنامي قوة ألمانيا النسبية وزيادة هيمنتها الاقتصادية على أعضاء الاتحاد الأوروبي، خاصة الاقتصادات الأكثر ضعفا مثل اليونان وبلغاريا ورومانيا وبولندا، فمعدلات البطالة في ألمانيا حاليا لا تتجاوز 5.5 في المائة، ما يجعلها سوقا جيدة لاستيعاب اليد العاملة الأوروبية، وإذا نجحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في تحقيق التوظيف الكامل بحلول عام 2025، فإننا سنكون أمام وضع اقتصادي استثنائي، سيمكن برلين من فرض كلمتها على الجميع».
ومن وجهة نظر الدكتور أندريه، فإن السيطرة الألمانية المقبلة على اتحاد الأوروبيين لن تدوم أكثر من عقدين أو ثلاثة، لأن تلك السيطرة لها تكلفة مالية مرتفعة، فإمكانية الصدام بين الاقتصاد الفرنسي والإيطالي من جانب، والألمان والهولنديين من جانب آخر ستكون واردة بمجرد استعادة الاقتصاد الفرنسي لمعدلات نمو مرتفعة، كما أن شراء ألمانيا لولاء الدول الضعيفة اقتصاديا سيكلف الخزانة الألمانية استثمارات مالية ضخمة للغاية، وربما لا يلقى ذلك الموقف ترحيبا من قبل عديد من التيارات السياسية الألمانية، أو دافعي الضرائب خاصة إذا تراجع معدل نمو الاقتصاد المحلي.
وجهة النظر تلك تواجه برفض شديد من قبل الباحث الاقتصادي توماس لرويث، الذي يعتقد أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيدفع بالاتحاد إلى الانتقال إلى مرحلة جديدة أكثر تجانسا واندماجا.
ويؤكد لـ»الاقتصادية» أن الترويج لفكرة الهيمنة الألمانية على الاتحاد مستقبلا إثر خروج بريطانيا منه، يشوبها الكثير من جوانب القصور، فلا أحد يستطيع أن ينكر أن هناك تحالفا ألمانيا – فرنسيا لقيادة الاتحاد، ولكنه لا يهدف إلى الهيمنة، وتنامي قوة الجانب الألماني في أعقاب خروج بريطانيا من عضوية النادي الأوروبي، يجب ألا ينسي أن تحالف الاقتصادين الفرنسي والإيطالي قادر على موازنة قوة الألمان.
ويشير إلى أنه لا يمكن إنكار أن هناك خلافا بين اللوبي الألماني الذي تسانده بعض بلدان شمال أوروبا، واللوبي الفرنسي – الإيطالي، حول مجموعة واسعة من السياسات المالية التي اتبعت منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية، وفي الحقيقة فإن الموقف الألماني – البريطاني كان أكثر انطباقا من حيث ضرورة تبني سياسات تقشفية للخروج من الأزمة، وهذا يكشف عن أن الترويج لفكرة أن ألمانيا ستهيمن على القرار داخل الاتحاد نتيجة وضعها الاقتصادي المميز في مواجهة الآخرين، يستبعد تماما أن هذا السلوك يضر بالاقتصاد الألماني ذاته، ويشعر الآخرين خاصة دول جنوب الاتحاد مثل اليونان وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال وقبرص بأن الاتحاد لم يعد يحقق مصالحها بصورة إيجابية، ما قد يؤذن بتفكك الاتحاد، وهذا يضر بالمصالح الاستراتيجية لألمانيا.
مع هذا يرى بعض الاقتصاديين أنه من الصعب إنكار أن المرحلة المقبلة ستشهد حالة من الاستقطاب الاقتصادي داخل أروقة الاتحاد، خاصة في ظل غياب سياسة موحدة تجاه قضايا رئيسة مثل الهجرة، وأن حالة الوحدة الراهنة في مواجهة بريطانيا وضع مؤقت، وبمجرد اكتمال المفاوضات البريطانية مع بلدان الاتحاد، والوصول إلى صفقة محددة الملامح بشأن العلاقات المستقبلية، فإن ألمانيا وعددا آخر من الاقتصادات المتطورة في الاتحاد سيكون عليه تهدئة مخاوف الاقتصادات الأقل تطورا كالمجر واليونان وبلغاريا ورومانيا بأنها لن تقع فريسة لهيمنة الكبار.