ديسمبر 6, 2020

أنصار الثورة

عين على الحدث

دمج الأدمغة البشرية بالكمبيوتر.. هل سيخدم المجتمع؟

كان الإغريق قديماً يحلمون بالطيران عن طريق التسارع، وأجريت الكثير من التجارب في العصور المتتالية لمحاولة تحقيق الحلم، وكم من مرات فشلت المحاولات، وكلن الناس يضحكون على هذه الأحلام متهمين أصحابها بالجنون إلى أن وصل الإنسان اليوم ليس للطيران فحسب بل للوصول إلى القمر.
أما طموحات اليوم فهي متعلقة بدمج العقل البشري مع الكمبيوتر لحل مشكلة هشاشة الإنسان، ضربا من الخيال. فهل حقا يمكن للعقل البشري أن يتصل مباشرة بذكاء اصطناعي، مثل الروبوت أو أي وسيلة أخرى، عن طريق برمجية تجمع بين العقل والكمبيوتر، لخلق تكنولوجيا تتجاوز قدرات العقل البشري؟

فخلال الخمسين سنة الماضية، بذل الباحثون في المختبرات الجامعية والشركات جهودا كبيرة لتحقيق خطوات ملموسة لتحقيق هذه الطموحات. مؤخرا، أعلن بعض المستثمرين الناجحين مثل إيلون ماسك وبراين جونسون عن تأسيس شركة ناشئة جديدة هدفها تطوير القدرات البشرية عن طريق دمج العقل البشري والكمبيوتر. ولكن إلى أي حد بتنا قريبين من ربط عقولنا مع التكنولوجيا؟ وماذا ستكون تبعات هذا الإنجاز عندما يتم ربط العقل بالآلة؟
يعتبر إيب فيتس، الباحث في مركز الهندسة العصبية في الولايات المتحدة، واحدا من رواد هذا المجال، حيث كان سباقا في ربط الآلة بالدماغ . ففي سنة 1969، قبل أن تظهر الحواسيب الشخصية، أثبت هذا الباحث أن القردة بإمكانها تضخيم الإشارات الصادرة عن أدمغتها لتحرك إبرة موصولة بجهاز قياس الترددات.

وفي الإطار ذاته، أجريت الكثير من البحوث، مؤخرا، في هذا المجال قصد تحسين ظروف حياة الأشخاص الذين تعرضوا للشلل أو يعانون من إعاقات حركية كبيرة. ومما لا شك فيه أن الكثيرين قد ترامت إلى مسامعهم آخر الإنجازات التي تم تحقيقها وعرضت في وسائل الإعلام، حيث تمكن الباحثون في جامعة بيتسبرغ من استخدام إشارات تم تسجيلها داخل الدماغ من أجل التحكم في ذراع آلية.

فضلا عن ذلك، تمكن الباحثون في جامعة ستانفورد من رصد النوايا الحركية لدى أشخاص مصابين بالشلل عبر التقاط الإشارات الصادرة عن أدمغتهم، وهو ما سمح لهم باستخدام حاسوب لوحي موجود أمامهم دون أن تربطهم به أية أسلاك. ومن خلال اعتماد الطريقة ذاتها، يمكن إرسال بعض الإشارات الحسية في اتجاه عكسي نحو الدماغ، عبر توليد تيار كهربائي داخل الرأس أو في قشرة الجمجمة. ولكن ماذا عن أهم الحواس التي يعتمد عليها الإنسان أي النظر والسمع؟

في واقع الأمر، تم تسويق بعض النماذج الأولية، مع العلم أنها تحتاج إلى تطوير، تتمثل في أعين اصطناعية مصممة خصيصا للأشخاص الذين يعانون من إعاقة بصرية. وفي الوقت الحالي، يعمل القائمون على هذا المشروع على تطوير هذه النماذج بشكل متواصل من خلال إجراء العديد من التجارب على العديد من الأشخاص.
علاوة على ذلك، تعتبر السماعات التي تزرع في الأذن، واحدة من أنجح التجارب وأبرز نموذج على إمكانية زرع الآلة داخل جسم الإنسان. والجدير بالذكر أن أكثر من 300 ألف مستخدم حول العالم يعتمدون على هذه التقنية حتى يتمكنوا من الاستمتاع بالأصوات من حولهم.
في الحقيقة، تعد أكثر هذه الابتكارات التي تربط بين العقل والآلة تطورا، هي تلك التي تعمل في كلا الاتجاهين، بمعنى أنها تستطيع تسجيل الإشارات الصادرة عن الدماغ، وبث إشارات من الجهاز العصبي وإرسال إشارات نحوه. وفي الوقت الراهن، يحاول مركز الهندسة العصبية والتقاط الإشارات في الولايات المتحدة، اكتشاف آليات الاتصال بين الدماغ والآلة، وذلك بهدف إعادة تأهيل المصابين بالجلطات وحوادث العمود الفقري. ومن المتوقع أن يحدث ذلك ثورة تقنية منقطعة النظير في عالم.

وفي الأثناء، ثبت أن هذه الوصلة بين الدماغ والحاسوب يمكن استخدامها لتقوية التواصل بين منطقتين في الدماغ، أو بين الدماغ والنخاع الشوكي، أو لإحداث مسار جديد للمعلومات حول المنطقة المتعرضة للضرر، من أجل إعادة الحياة للعضو المصاب بالشلل. وفي ظل كل النجاحات التي تحققت إلى حد الآن، قد يعتقد الإنسان أن دمج العقل البشري والحاسوب بات وشيكا جدا، وقد يتم تسويقها قريبا للمستهلكين.
في الحقيقة، ومن خلال إلقاء نظرة متفحصة على بعض النماذج التي تم عرضها والتي تقوم على إحداث وصلة بين العقل البشري بالحاسوب، يمكن الجزم بأنه لا يزال أمامنا طريق طويل لنقطعه. ففي واقع الأمر، تنتج هذه الوصلة بين الدماغ والكمبيوتر حركات أكثر بطء وأقل دقة وتعقيدا من تلك التي يحدثها الإنسان في ظروف طبيعية، وفي حياته اليومية من خلال استخدام أطرافه. علاوة على ذلك، توفر العين الاصطناعية للمستخدم درجة وضوح أقل بكثير من العين الطبيعية، في حين أن السماعات الاصطناعية لا تؤمن معلومات إلكترونية كافية لتحفيز حاسة النطق، كما تقوم بتشويه تجربة الاستماع للموسيقى.

من جهة أخرى، وحتى تعمل كل هذه التقنيات، ينبغي زرع أقطاب كهربائية في الدماغ عن طريق التدخل الجراحي، وهي عملية يخشى أغلب الأشخاص من الخضوع لها. في المقابل، لا تتطلب كل التقنيات التي تربط العقل بالآلة اقتحام رأس الإنسان، إذ أن هناك نماذج للاستعمال الخارجي لا تستوجب تدخلا جراحيا.
أثبتت بعض الشركات الرائدة في التكنولوجيا أن تقنية قرصنة الدماغ تحققت على أرض الواقع وإمكانية ربط العقل البشري بالآلات فتحت بابا للعديد من التساؤلات حول كيف يمكن لهذه التكنولوجيا أن تخدم المجتمع؟ وما هي الشركات الرائدة في هذا المجال؟

وبحسب ما نشر في موقع لايف ساينس الإلكتروني، فإن إيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة تيسلا وسباسكس في شهر مارس الماضي، خطا هذه الخطوة حيث قام بإحداث ضجة كبيرة فور إعلانه عن أحدث اختراع له وهو “نيورالينك” الذي قال إنه سيساهم في تصميم ما يسمّى بواجهة الدماغ والكمبيوتر، موضحا أنه سيتم استخدام تلك التقنية مبدئيا في الأبحاث الطبية، مشيرا إلى أن الهدف الأساسي منها يتمثل في إلغاء احتمال تلف الدماغ البشري من خلال مساعدة الأفراد على توظيف الآلة.

وفقا لتصريحات ماسك، يقف “عرض نطاق التواصل” كعائق وحيد في طريق الربط بين الدماغ البشري والآلة، مما يعني أن استخدام شاشة اللمس أو لوحة المفاتيح هي وسيلة بطيئة للتواصل مع جهاز الكمبيوتر. لذا يهدف اختراع ماسك بشكل أساسي إلى إنشاء “عرض نطاق تواصل عال” مباشر بين الدماغ البشري والآلات.

وأفاد ماسك أن شركة نيورالينك تم تصنيفها كشركة أبحاث طبية، وأنها ستساعد في علاج الإصابات الدماغية الحادة عن طريق بعض المنتجات التي سيتم إنتاجها خلال أربع سنوات.
وأوضح أن اختراعه سيعمل على تطوير واجهة تفاعل بشري آلي من أجل صالح صحة الإنسان، الذي سيتمكّن من التواصل عبر “التخاطر التوافقي” وسيصبح قيد التشغيل في غضون 5 سنوات. وبرغم كل هذا، يواجه ماسك الكثير من المشككين في نجاح مخطّطه ولا سيما من علماء الأعصاب. ولا يعد ماسك الوحيد الذي يحاول أن يُقارب بين العقل البشري والآلات، إذ أن هناك مجموعة من الشركات التي تعمل بجد في مجال قرصنة الدماغ البشري.

بعد أسابيع قليلة من إطلاق ماسك لمؤسسة نيورالينك، أعلنت شركة فيسبوك أنها بصدد مشروع جديد تعمل فيه على إيجاد طرق تجعل الناس يستخدمون أفكارهم للكتابة على الآلة.
وبحسب ريجينا دوغان، مديرة مؤسسة سيكريتيف بيلدنغ، فإن الهدف هو صناعة جهاز من شأنه أن يسمح للأفراد بكتابة 100 كلمة في الدقيقة الواحدة، موضحة أنّ الجهاز سيكون بمثابة فأرة للدماغ، وستُلغى الحاجة إلى تتبع حركات اليد للتحكم في الفأرة.
وألقت فيسبوك الضوء على تفاصيل خططها بشكل مقتضب، حيث قالت الشركة إنها لا تعتقد أن استخدام تلك التقنية يشكّل حلاّ عمليا على المدى البعيد، ولذلك فهي تركز الآن على تطوير نوع من القبعات التي يمكنها تتبُّع نشاط المخ بشكل غير اجتياحي، على الأرجح باستخدام التصوير البصري. وبما أن هذه التكنولوجيا غير متوفرة في الوقت الحالي أكدت فيسبوك أنها تخطط لصناعة نموذج طبي خلال سنتين من شأنه أن يمهد الطريق أمام الأجهزة المستقبلية.

لم يكن ماسك أول رجل أعمال ثري يستثمر في مجال الأعصاب. ففي أغسطس الماضي، استثمر برايان جونسون، مؤسس شركة برينتري للمدفوعات عبر الإنترنت، مبلغا قدره 100 مليون دولار في مشروعه الجديد كيرنل.

وتمثل الهدف المبدئي للشركة في تطوير رقاقة إلكترونية يمكن أن تسجل الذاكرة وتعيد تسليمها بعد ذلك للدماغ عند الحاجة إليها، استنادا إلى أبحاث ثيودور بيرغر، مهندس الطب الحيوي وعلم الأعصاب في جامعة جنوب كاليفورنيا. ولكن بعد ستة أشهر ذكر موقع تكنولوجي ريفيو أن المشروع انقسم إلى شقين لاستغلال وقت العمل عليه، وبهذا تركّز المؤسسة الآن على تطوير تكنولوجيا مماثلة لمؤسسة نيورالينك. وتخطط مؤسسة كيرنل الآن لبناء منصة مرنة لتسجيل وتحفيز الخلايا العصبية، بهدف علاج أمراض مثل الاكتئاب ومرض الزهايمر. ومثل ماسك، لا يخجل جونسون من مناقشة احتمال استخدام التكنولوجيا لزيادة القدرات البشرية وربطه بالآلة، حيث صرح لشبكة “سي أن بي سي” أن “هناك احتمال كبير أن نشارك غيرنا في تطوير تكنولوجيتنا”.
خلافا لبعض الشركات الأخرى التي تعمل في هذه الصناعة، تصنع شركة إيموتيف أجهزة فعلية متمثلة في سماعات التصوير الدماغي الكهربائي التي تسجل نشاط الدماغ بصفة غير اجتياحية. وبما أن تلك التكنولوجيا أقل مستوى من حيث الدقة من نظيراتها في الشركات الأخرى، مثل نيورالينك، إلا أنها الأكثر ثباتا. وتمتلك الشركة جهازا معدا للبحث يسمّى “إي بي أو سي بلاس”. كما تنتج الشركة أيضا سماعات موجهة للاستخدام العادي تسمى إنسايت.
وبحسب تقرير ديلي دوت، تنتج إيموتيف أيضا مجموعة متنوعة من منتجات البرمجيات التي تسمح للمستخدم برؤية نشاط دماغه في شكل ثلاثي الأبعاد، بالإضافة إلى قياس كفاءته، وحتى التحكم في الطائرات دون طيار والروبوتات وألعاب الفيديو. وتم اختيار الشركة لتكون جزءا من برنامج مسرّع ديزني في عام 2015، بهدف صناعة أداة تراقب عمل الدماغ يمكن ارتداؤها على الرأس بكل سهولة.

على الرغم من أنها ليست شركة بحد ذاتها، إلا أن وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية للجيش الأميركي قد أعلنت السنة الماضية عن برنامج تقدر تكلفته بنحو 60 مليون دولار لتطوير واجهة عصبية يمكن زرعها في الرأس، وذلك بالتعاون مع مجموعة من الشركات الخاصة.

وبحسب مجلة “إم آي تي تكنولوجي ريفيو” يعتبر هذا المشروع الطموح جزءا من مبادرة الرئيس السابق باراك أوباما. وتعمل داربا على صناعة جهاز يمكنه تسجيل مليون خلية عصبية في وقت واحد وتحفيز ما لا يقل عن 100 ألف خلية عصبية في الدماغ. ولكن يجب أن يكون الجهاز لاسلكيا وبحجم السنت وأن يكون جاهزا للاستخدام في غضون أربع سنوات وهو موعد نهائي يصعب الالتزام به.
وطبقا لما ورد في تقرير موقع كوارتز تعمل بعض التطبيقات المحتملة للجهاز على تعويض المشاكل البصرية أو السمعية عن الأشخاص، حيث يستطيع الجهاز أن يغذّي الدماغ بالمعلومات الصوتية أو البصرية الرقمية بشكل مباشر. وإلى الآن لم تتضح الرؤية بعد عن ماهية هذه التقنية، ولكن يمكن القول رغم ذلك إن هذا المشروع ضخم نظرا لمؤسسات الهندسة الضخمة التي تعمل عليه مثل كوالكوم.