سبتمبر 24, 2020

أنصار الثورة

عين على الحدث

عجز الولايات المتحدة التجاري 450 بليون دولار

بلغ عجز الولايات المتحدة التجاري نحو 450 بليون دولار، أو %2.5 من الناتج المحلي الإجمالي. وهذا يعني أن الأمريكيين يستوردون من السلع والخدمات ما تزيد قيمته عن صادراتهم إلى بقية العالم بنحو 450 بليون دولار. ويساعد هذا في تفسير العجز الهائل في الولايات المتحدة عاما تلو الآخر، وما قد يحدث لمستويات معيشة الأميركيين إذا ما تراجع؟
من السهل أن نلقي اللوم عن العجز التجاري الضخم على حكومات أجنبية تعرقل بيع المنتجات الأمريكية في أسواقها، مما يضر بأعمال الأمريكيين ويخفض مستويات معيشة العمال الأمريكيين. ومن السهل أيضا أن نلقي اللوم على الحكومات الأجنبية التي تقدم الدعم لصادراتها المتجهة إلى الولايات المتحدة، وهو ما يلحق الأذى بالشركات والموظفين الذي يفقدون القدرة على بيع منتجاتهم للموردين الأجانب (وإن كانت الأسر الأمريكية ككل تستفيد عندما تدعم الحكومات الأجنبية ما يشتريه المستهلكون الأمريكيون).
ولكن إقامة الحواجز أمام الواردات الأجنبية ودعم الصادرات ليس السبب وراء العجز التجاري الأمريكي. السبب الحقيقي هو أن الأمريكيين ينفقون أكثر مما ينتجون. والعجز التجاري الإجمالي ناتج عن قرارات الادخار والاستثمار التي تتخذها الأسر والشركات الأمريكية. ولا تؤثر سياسات الحكومات الأجنبية إلا على الكيفية التي يُقَسَّم بها العجز بين شركاء أمريكا التجاريين.
والسبب وراء تسبب قرارات الادخار والاستثمار التي يتخذها الأمريكيون في دفع العجز التجاري الإجمالي إلى الارتفاع واضح وصريح: فإذا كانت دولة ما تدخر قدراً من ناتجها الإجمالي أكبر من ذلك الذي تستثمره في معدات المشاريع والشركات وهياكلها، فهذا يعني أنها لديها ناتج إضافي يمكن بيعه لبقية العالم. نستطيع أن نقول بعبارة أخرى إن الادخار مطروحاً منه الاستثمار يساوي الصادرات مطروحا منها الواردات ــ وهي هوية محاسبية أساسية تنطبق على كل بلد في كل عام.
وعلى هذا فإن خفض العجز التجاري الأمريكي يتطلب إما أن يزيد الأمريكيين من مدخراتهم أو يقللون من استثماراتهم. ولن تغير السياسات التي تفتح أسواق دول أخرى أمام المنتجات الأمريكية، أو تلك التي تغلق أسواق الولايات المتحدة أمام المنتجات الأجنبية، الميزان التجاري الإجمالي.كانت الولايات المتحدة قادرة على الإبقاء على العجز التجاري كل عام لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن لأن الأجانب كانوا على استعداد لإقراضها الأموال اللازمة لتمويل مشترياتها الصافية، من خلال شراء السندات والأسهم الأمريكية أو الاستثمار في العقارات وأعمال أخرى في الولايات المتحدة. وليس هناك ما يضمن أن هذا قد يستمر في العقود المقبلة؛ ولكن لا يوجد أيضا سبب لانتهاء هذه الحال. ورغم أن الكيانات الأجنبية التي تقرض الولايات المتحدة سوف ترغب في استرداد هذه الديون ذات يوم، فمن الممكن أن يحل محلهم آخرون بوصفهم الجيل التالي من المقرضين.
ولكن إذا خفض الأجانب ككل طلبهم على الأصول المالية الأمريكية، فسوف تنخفض أسعار هذه الأصول، وسوف ترتفع أسعار الفائدة الناتجة. وسوف تثبط أسعار الفائدة الأمريكية الأعلى الاستثمار المحلي وتزيد من الادخار المحلي، وهذا كفيل بتقليص العجز التجاري.
وسوف يساعد العجز التجاري الأقل المصدرين والشركات الأمريكية التي تتنافس الآن مع الواردات. ولكن تراجع العجز التجاري من شأنه أن يترك للأمريكيين ناتجا أقل للاستهلاك في الولايات المتحدة أو الاستثمار في الولايات المتحدة لإنتاج الاستهلاك في المستقبل.
وهذا ليس سوى جزء من القصة. فبالإضافة إلى تقليص الكمية المتبقية من السلع والخدمات المتاحة للأسر والشركات الأمريكية، فإن خفض العجز التجاري يتطلب جعل السلع والخدمات الأمريكية أكثر جاذبية للمشترين الأجانب والسلع الأجنبية أقل جاذبية للمشترين الأمريكيين. وهذا يعني انخفاض أسعار الصادرات الأمريكية وارتفاع أسعار الواردات، بفعِل انخفاض قيمة الدولار. وحتى مع نفس الحجم المادي للناتج المحلي، سوف تنخفض قيمة الناتج الأمريكي للمستهلكين المحليين، لأن الولايات المتحدة ستضطر إلى تصدير المزيد من الناتج للحصول على نفس قيمة الواردات.
تشير تقديرات خبراء التجارة إلى أن خفض العجز التجاري الأمريكي بنسبة %1 من الناتج المحلي الإجمالي يتطلب انخفاض أسعار الصادرات بنسبة %10 أو ارتفاع أسعار الواردات بنسبة %10. ويتطلب تقليص العجز التجاري الحالي بنسبة %2 من الناتج المحلي الإجمالي الاستعانة بتركيبة من هذه التغيرات في الأسعار، وجعل الولايات المتحدة أقرب إلى التوازن التجاري. ولكن لأن صادرات الولايات المتحدة تعادل %15 من الناتج المحلي الإجمالي ووارداتها تعادل %12 من الناتج المحلي الإجمالي، فإن خفض الصادرات بنسبة %10 من شأنه أن يؤدي إلى انخفاض متوسط الدخل الحقيقي (المعدل تبعا للتضخم) بنحو 1.5%، في حين يؤدي ارتفاع أسعار الواردات بنسبة 10% إلى انخفاض الدخول الحقيقية بنحو %1.2 إضافية.
وبالتالي فإن القضاء على العجز التجاري يتطلب تحويل نحو %2.5 من الإنتاج المادي الأمريكي إلى بقية العالَم، فضلا عن تغيير في أسعار الصادرات والواردات يخفض قيمتها الحقيقية بنحو %2.7 أخرى من الناتج المحلي الإجمالي. باختصار، في غياب أي تغيير في مستوى الناتج الوطني، سوف تنخفض دخول الأمريكيين الحقيقية بنحو 5%.