نوفمبر 27, 2020

أنصار الثورة

عين على الحدث

وطنٌ عربيٌّ مُصَغَّر

بقلم لميس  طوبجي

بلاد العُرب أوطاني من الشَّام لبغدان
ومن نجدٍ إلى يمنٍ إلى مصرَ فتطوان

من المحيط الأطلسي غرباً حتى الخليج العربي شرقاً ومن بحر العرب جنوباً حتى تركيا والبحر الأبيض المتوسط شمالاً شاملاً الدول التي تقع في شمال إفريقيا وشرقها وفي غرب آسيا يمتد الوطن العربي ..
قطعة أرض كبيرة في قلب العالم تضمُّ اثنتين وعشرين دولة ..
الوطن العربي أو العالم العربي مصطلح يُطلق على تلك المنطقة الجغرافية ذات التاريخ واللغة والثقافة المشتركة .. ومع أن الأسباب في سبب تسمية العرب عرباً قد تعددت إلا أن انتماءهم للوطن يوحدهم .. إن امتداد الوطن العربي بين إفريقيا وآسيا وأوروبا منحه موقعاً مهماً أشبه بجسر يربط بين القارات الثلاث كما أنَّ إشرافه على مسطحات مائية كثيرة جعلت اتصالاته الخارجية أكثر سهولة لأغراض اجتماعية أو حضارية أو تجارية وتغطي الصحراء معظم مساحة الوطن العربي وتنتشر فيه الهضاب والسلاسل الجبلية والقليل من السهول .. ويتنوع مناخه مابين الصحراوي والمتوسطي والإقليم المداري والاستوائي ما أدى إلى التنوُّع النباتي فيه..
تتنوع الصناعة وتختلف بين الدول العربية، كما يضم الوطن العربي الكثير من المناطق الأثرية التي تستجلب الزوار للسياحة منها مدينة البتراء في الأردن، وبعلبك ووادي قاديشا في لبنان، وسامراء والحدائق المعلقة في العراق، ودمشق القديمة وتدمر وقلعة الحصن في سورية، والقدس القديمة في فلسطين، والأهرامات ووادي الحيتان في مصر، ومكناس في المغرب، ومروي في السودان، وشحات في ليبيا، ومدائن صالح في السعودية .. إضافة إلى المعالم الدينية كالمسجد الحرام والنبوي ومسجد قباء وغار حراء وقبة الصخرة والمسجد الأقصى وحائط البراق والحرم الإبراهيمي وكنيستي المهد والقيامة وجبل نبو والمغطس والجامع الأزهر وجامع الزيتونة..
ويزخر الوطن العربي بثروات طبيعية ومعدنية كبيرة أهمها النفط والغاز، كما توجد فيه خامات من الذهب والحديد والألمنيوم والنحاس والزنك والفضة والفوسفات إلا أن أهم ثروة في أي بلد هي المواطن .. يقدر عدد القوى العاملة في الوطن العربي بحوالي 82.51 مليونا, وتشكل ما نسبته 28% من سكان الوطن العربي وبسبب معاناة الوطن العربي من الاستعمار الغربي على معظم أراضيه بدءاً من القرن التاسع عشر مروراً بالقرن العشرين الذي عرف إقامة إسرائيل وانتشار خلافات بين أنظمة الحكم العربية وصلت حد النزاع المسلح وأدت إلى إضعاف العرب، وانتهاء بالقرن الحادي والعشرين الذي ازدادت فيه حالة عدم الاستقرار نتيجة القمع وكبت الحريات والتدخل الأجنبي فإنَّ حالة من اليأس انتشرت لدى المواطن العربي دفعته إلى الهجرة والابتعاد عن الوطن ..
غادر الإنسان العربي موطنه متجهاً نحو أوروبا وأمريكا وأستراليا وسواها .. يحمل في جعبته ذكرياته وحلمه وصوت فيروز الذي يقول:

أنا يا عصفورة الشجن مثل عينيك بلا وطن
واغتراب بي وبي فرح كارتحال البحر بالسفن

يتساوى داخله الحزن والحنين مع الفرح والأمل .. في الغربة وخارج حدود الوطن العربي يلتم شمل العرب مع بعضهم وتوحدهم العروبة .. تتقاطع الحدود في الوطن فاصلة كل بلد عن الآخر .. فيما تتحطم الحدود في الغربة .. ويصافح العربي أخاه العربي دون جواز سفر ..
منذ عام ونيِّف وصلت إلى سيدني .. التقيت عرباً أكثر مما قابلت في وطني طوال ثلاثين عاماً .. عربٌ من شتى الدول العربية اختلفت أسباب مجيئهم إلى أستراليا .. لكنَّ لهفتهم ومحبتهم كانت واحدة .. داخلَ جريدةٍ أعمل داخل وطنٍ عربيٍ مصغر .. لا يفصل كرسي العربي عن أخيه العربي إلا بضعة أمتار تقطعها بابتسامة وضحكة لا حدود هنا ولا سواتر ترابية ولا جوازات سفر أو بطاقات هوية .. خارج الوطن حطم العربي الحدود، فإذا بالحدود التي كانت في وطننا مجرد حدود مصطنعة لا علاقة للمواطن فيها .. داخل الأسواق تشاهد العرب من مختلف الجنسيات .. في الأماسي الشعرية وفي الحفلات والمناسبات تحادث العرب من شتى الطوائف ..
يسافر العرب على متن حروف نزار ودرويش و السَّيَّاب وشوقي .. يطربون بصوت عبد الحليم وأم كلثوم وفيروز وكاظم .. يتمايلون مع الموسيقى الشرقية .. يتلذذون بطعم الحمص و التبولة والشاورما .. يسألون بعضهم عن أخبار بلادهم التي تلوكها الحروب والمعاناة .. عربٌ فرقهم الوطن وجمعتهم الغربة ..
بعض العرب كانوا يسافرون إلى السعودية أو دول الخليج العربي للعمل وبعضهم كان يسافر إلى لبنان أو سورية أو مصر للسياحة فيلتقي العرب مع بعضهم في وطنهم .. أمَّا في الغربة فإنَّ تواجُد العرب مع بعضهم يمنح الإحساس بالسعادة و بالأمان والقوة وكأنك لم تغادر وطنك .. وكأن وطنك العربي قد أصبح موحَّداً ..
قبل أن أسافر لم أكن أعرف الكثير عن تفاصيل المدن العربية سوى ما قرأت في الكتب وجاء في المناهج المدرسية.. اليوم أعرف البلدان أكثر.. أتعرف عليها عن قرب .. أزور معالمها الأثرية من خلال سكانها المغتربين ومن خلال محبتهم ولهفتهم ..
شاءت الأقدار منذ بضعة أشهر أن يعلق خاتمي بإصبعي خاتم ذهبي جميل .. حوافه مرصَّعة بالألماس هدية من جدتي لي قبل سفري لأحتفظ به في غربتي فإذا بالخاتم يتعلق بإصبعي ويرفض التحرك .. فأتحرك لمحاولة إخراجه .. تسعفني مجموعة من الفيديوهات المسجلة على اليوتيوب بنصيحة من أبي .. يهرع زوجي وأهله لمساعدتي في تخفيف الألم وإزالة قطعة ذهب تتباهى النساء في ارتدائها فيما كنت أسعى خلف خلعها من إصبعي …
وباللهفة التي يلقاك فيها أصدقاؤك وأقاربك تلقاها ذاتها هنا في شارع داخل الغربة .. بدءاً من الصيدلية التي حاول موظفوها اللبنانيون والفلسطينيون مساعدتي على دحرجة الخاتم بعيداً عن إصبعي، ومروراً بموظفي محلات الصاغة، وانتهاءً بالجواهري العراقي الذي أزال الخاتم من إصبعي وأعاد دفق الدم إليه .. شارع ينبض لهفة .. شارع ينبض حناناً .. شارع في الغربة ينبض وطنية ..
داخل أستراليا التي يتعايش فيها الناس من شتى البلدان والأديان والثقافات يتعايش العرب مع بعضهم بحب ولهفة .. والحربُ أو الغربةُ التي جعلت أحدنا يخسر بلداً منحتنا في المقابل وطن ..
وطننا العربي يتآكل من الداخل والخارج .. لم يعد وطناً كما كان لكن العرب في الخارج صنعوا لهم أوطاناً عربية جميلة ودافئة ومصغرة .. كان لنا وطن جميل نتمنى أن يعود جنة .. كما قال فخري البارودي: