يناير 22, 2021

أنصار الثورة

عين على الحدث

عناق انهى 5 قرون من الانقسامات: مصالحة كاثوليكية- لوثرية…

هذا التوقيع، هذا العناق يعنيان الكثير الكثير… «مصالحة تاريخية»، بتعبير العارفين، «حدث تاريخي» بامتياز. ان يقف بابا الكاثوليك جنبا الى جنب مع كبار المطارنة والقساوسة اللوثريين، وسط معقل لوثري تحديدا، ان يصلي معهم، ويعلن معهم ومن عندهم «اننا لم نعد غرباء بعضنا عن بعض… وما يوحدنا أكبر مما يفرقنا»، يشكّل لحظة حاسمة في مسيرة الكنيستين المتخاصمتين طوال 5 قرون.
الذكرى الـ500 لحركة الإصلاح الإنجيلي التي انطلقت احتفالاتها في العالم في 31 ت1 2016 من مدينة لوند السويدية، حيث تأسس الاتحاد اللوثري العالمي، تنطبع الى الابد بهذه المصالحة… وتنبىء بمزيد من التلاقي والتقارب. ولكن ثمة مزيد! تحقيق وحدة في الافخارستيا احد الاهداف، و»الحوار مستمر». وفي لبنان، مبادرة كاثوليكية تعكس هذا التقارب مع اللوثريين. مؤشر ايجابي.

«انها المرة الاولى منذ 500 عام التي يدعو بابا الكاثوليك ورئيس الاتحاد اللوثري العالمي الى صلاة مشتركة بين الكاثوليك واللوثريين من اجل ثلاثة امور: كي نشكر الله على امانة حمل الكلمة المقدسة، كلمة الانجيل، ونتوب عن اخطاء الماضي، ونلتزم المستقبل كي لا نجعل الماضي يحدد مستقبلنا، بل نحدد مستقبلنا بالشهادة وعمل المحبة معا»، يقول رئيس الاتحاد اللوثري العالمي رئيس الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في الأراضي المقدسة والأردن المطران منيب يونان.
«ابواب جديدة» تنفتح
الساعة 2,30 ب.ظ. المكان: مدينة لوند السويدية، وتحديدا كاتدرائية لوند الإنجيلية. اللقاء مسكوني، الصلاة مسكونية مشتركة. الحدث نادر، «تاريخي» باجماع كثيرين. في تلك الساعة، وقّع البابا فرنسيس والمطران يونان إعلانا مشتركاً، بمثابة توقيع «مصالحة تاريخية» وتأكيدها، لا بل اعلانها امام العالم برمته… والاهم ان «هذا الاعلان يفتح لنا ابوابا جديدة»، على قول يونان.
«50 عاما من الحوار المسكوني المتواصل والمثمر بين الكاثوليك واللوثريين ساعدتنا في التغلب على العديد من الخلافات، وعمقت فهمنا وثقتنا المتبادلين… من خلال الحوار والشهادة المشتركة، لم نعد غرباء بعضنا عن بعض. بدلا من ذلك، تعلمنا أن ما يوحدنا أكبر مما يفرقنا»، يؤكد الكاثوليك واللوثريون في وثيقتهم المشتركة(1).
الاعلان «متزن»، بتعبير يونان، «ويتكلم عن امور رعوية في العالم ومشاكل الظلم وعدم العدالة في العالم، وايضا عن امور رعوية تتعلق بكيفية عمل الكاثوليك واللوثريين معا». ويضيف راعي الكنيسة الإنجيلية الوطنية في بيروت رئيس مجلس كنائس الشرق الاوسط عن العائلة الانجيلية القس الدكتور حبيب بدر ان الجانبين يتعهدان في الوثيقة
ب «الاستمرار في الحوار اللاهوتي، حتى الوصول الى وحدة كاملة في شركة الخبز والخمر، الى جانب تفعيل جهود الشهادة المشتركة للكنيستين، وخدمة المجتمع في حقول مكافحة الفقر والظلم والعنف والحروب وإحقاق العدالة الاجتماعية والعناية الخاصة بالبيئة»(2).
5 عناوين رئيسية تفصّل توجهات الوثيقة: «بقلوب شاكرة»، «الانتقال من النزاع الى الشركة»، «التزامنا الشهادة المشتركة»، «واحد في المسيح»، و «دعوة الى الكاثوليك واللوثريين في جميع أنحاء العالم». وفي كل فقرة، كانت تلك الـ «نحن» الجامعة، الموحدة في الهدف والكلام، وذات الوقع القوي.
«اليوم، نسمع أمر الله بان نضع جانبا كل صراع. نعترف باننا محرَّرون بالنعمة للتحرك نحو الشركة التي يدعونا اليها الله باستمرار». 931 كلمة صيغت بها الوثيقة، واختيرت كل منها بعناية، بدقة، تعبيرا عن المصالحة، لما تمثله من اهمية استثنائية. بالنسبة الى يونان، «المصالحة التاريخية بين الكنيسة اللوثرية والكاثوليكية هي ايضا جواب للمتعصبين والمتطرفين بان الدين- عندما يتحاور اصحاب الديانة- ليس المشكلة، بل هو جزء لا يتجزأ من حلّ العدالة وقبول الآخر والتعددية. وهذا ما اثبتناه في هذا اللقاء التاريخي».
الاعلان وُقِّع… وما يطمح اليه هو «مواصلة الحوار مع الفاتيكان حول امور لا نزال نختلف عليها لاهوتيا، مثلا الكنيسة والرسامة الكهنوتية والافخارستيا. وسنستمر في الحوار حول هذه المسائل، لنصل الى حل يقربنا اكثر من بعضنا البعض».
5 قرون…
31 ت1 1517. نقطة انطلاق الحركة الاصلاحية. في ذلك اليوم، «علّق الراهب الأوغسطيني مارتن لوثر في مدينة وتنبرغ في ألمانيا لائحة من 95 بندا يعترض فيها على بعض الممارسات والعقائد في الكنيسة الكاثوليكية التي رأى فيها خللا أراد إصلاحه». على الاثر، انتشرت رسالة لوثر بسرعة في مختلف ارجاء اوروبا، لا سيما بواسطة الطباعة. «وانطلقت حركات إصلاحية عدة في بلدان مختلفة في أوروبا، ونشأت منها أكثر من كنيسة إنجيلية في تلك البلدان»(1).
5 قرون… الخلافات بين الكاثوليك والإنجيليين «اتسمت بالحدة، وكانت عنيفة أحيانا، بحيث أثّرت على أوروبا بشكل كبير، كما على جميع البلدان التي انتشرت فيها الإرساليات الكاثوليكية والإنجيلية حول العالم…»، يقول بدر. وقد خلّفت هذه الإنقسامات «جروحا عميقة وآلاما بالغة بين الكنيستين، ولم يكن بالهيّن شفاؤها»، الى أن «ظهرت الحركة المسكونية خلال القرن العشرين، فقرّبت الكنائس بعضها الى بعض…».
من ثمار هذا التقارب، مباشرة حوار لاهوتي «عالمي جدي ومثمر بين الكنيستين اللوثرية والكاثوليكية من 50 عاما، يهدف الى تنقية الأجواء والوصول الى أكبر قدر ممكن من التفاهم والاتفاق والمصالحة والتعاون في مجالات عدة»(2). وقد توصل الى «وثائق وحدوية مهمة جدا»، ابرزها الاتفاق الرسمي على عقيدة «التبرير بالإيمان» (1983)، ووثيقة بعنوان: «من الخصومة الى الشركة» (2013).
وتأتي اليوم في الطليعة الوثيقة المشتركة الموقعة في 31 ت1 2016. «الاعلان ليس ايجابيا فحسب، انما ايضا يتوّج جهود الجانبين التي بدأت من 50 عاما. انه اعلان تاريخي»، يقول بدر صحيح ان «الانجيليين او المصلحين لم يوقعوه»، غير «انهم يتحدون فيه مع اللوثريين والكاثوليك»، يؤكد. «وكاللوثريين، نشعر بالالم تجاه الانقسام بين المسيحيين، والذي تعبّر عنه الوثيقة».
والتعابير واضحة. «بينما نتجاوز تلك الحقبات في التاريخ والتي تشكل عبئا علينا، نتعهد بان نشهد معا لنعمة الله الرحيمة التي تتجلى في المسيح المصلوب والقائم من الموت…»، تضيف الوثيقة. ما يأمل فيه بدر هو ان تشكل المناسبة «بدءا لعملية شفاء الجراح». في رأيه، «الفروق اللاهوتية بين الكاثوليك والبروتستانت لم تعد تشكل حاجزا بينهم. ونعمل كلنا، وفي الطليعة اللوثريون، من اجل تحقيق وحدة في الافخارستيا. انها الهدف. وهذا ما تقوله الوثيقة بوضوح. ونسير في هذا الاتجاه مئة في المئة».
ماذا بعد هذا الاعلان؟ «مزيد من الحوار»، يجيب، «وتركيزه على حيث يجب ان يثمر في النهاية، اي المشاركة في الافخارستيا والاسرار، وبالتالي الوحدة بالمعنى الممكن لها. اذا كنا نسعى اليها، فهذا يعني اننا في صلب المسيرة المسكونية».
عبارات تستوقف

ما يراه منسق لجنة المئوية الخامسة في السينودس الإنجيلي الوطني في سوريا ولبنان القس أديب عوض في الوثيقة المشتركة «بيانا يصلح لتتبناه كنيسة المسيح أينما وجدت، فيما الأهم هو روحيّة الكنيستين اللتين كتبتاه ووقّعتاه». ويقول:
«الزيارة البابوية والإعلان المشترك حدث تاريخي واحد ذو أبعاد لا يدركها إلّا من تشرّبوا روحَ السيّد المخلّص».
تستوقفه «عبارات محض إنجيليّة» وردت في البيان: «لم نعد غرباء بعضنا عن بعض». «بافتخارٍ نشكر الله من أجل المواهب الروحيّة واللاهوتية التي اكتسبناها من خلال حركة الإصلاح». «نُقرّ منتحبين، لأننا كلينا أدمينا وحدةَ كنيسة المسيح المنظورة، واستخدمنا الدين لمرامي سياسيّة». «نُلزم أنفسَنا بالنمو في الشركة المتجذّرة في المعموديّة». «إذ نعيد التزامنا بالانتقال من الصراع إلى الشركة، إنما نفعل هذا كجزءٍ من جسد المسيح الواحد». البيان في رأيه «يستوحي الصليب والقيامة بكلّ بريق لاهوتهما».

معوض: خطوة متقدمة

انها القراءة الايجابية نفسها لدى الكاثوليك. للوثيقة صدى جيد عندهم. «الاعلان المشترك يتضمن رغبة في الانفتاح وسعيا الى الوحدة بين اللوثريين والكاثوليك»، يقول رئيس أساقفة زحله المارونية رئيس اللجنة الكاثوليكية للعلاقات المسكونية المطران جوزف معوض. الى جانب تضمنه مدلولات مسكونية روحية ولاهوتية مهمة، في التقويم ايضا انه «يشكل خطوة متقدمة في الحركة المسكونية، ويقرب الجانبين من بعضهما البعض، خصوصا انه يتوج 50 عاما من الحوار والتلاقي بين اللوثريين والكاثوليك».
ويتدارك: «الاعلان يعطي دفعا جديدا للحركة المسكونية والتلاقي». ما يقرأه فيه هو «انفتاح كبير واخوة كبيرة بين الكاثوليك واللوثريين، وايضا التفاتة رائعة تتمثل في انفتاح الجانبين على بقية المسيحيين، عندما يطلبان منهم الصلاة من اجلهما. التفاتة رائعة لانهما لم يخرجا، بتقاربهما، عن بقية الجماعة المسيحية».

احتفالية في لبنان…
و «تجاوب كاثوليكي»

في لبنان، انطلقت احتفالات الذكرى الـ500 للإصلاح في «خدمة عبادة احتفاليّة» اقامها المجمع الأعلى للطائفة الإنجيليّة في سوريا ولبنان الأحد 30 ت1 في الكنيسة الإنجيليّة المعمدانية في رأس بيروت، وذلك بالتزامن مع انطلاق احتفالات في مختلف الكنائس الإنجيلية في العالم.
هنا وهناك، يزخر برنامج الاحتفالية بنشاطات واحتفالات كثيرة، على مدار السنة. الجميع مدعوون الى المشاركة فيها، لا سيما الكاثوليك. والتشجيع على التقارب ضمن التوجهات. «اشجع عموما، من اجل التلاقي بين اللوثريين والمسيحيين من مختلف الطوائف. اشجع على التلاقي بين كل الطوائف المسيحية من اجل الوصول الى الوحدة»، يقول المطران معوض.
من المؤشرات اللافتة التي وجهها الكاثوليك في لبنان، تجاوبا مع هذه الاحتفالية، الدعوة الآتية: «بمبادرة وقرار من مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك ومجلس كنائس الشرق الأوسط، يتركز موضوع «أسبوع الصلاة من أجل الوحدة» على الإصلاح الإنجيلي والمصالحة بين الكنائس، وذلك بإيحاء من مبادرة قداسة البابا. ستقام الخدمة الافتتاحيّة الساعة 5,00 ب. ظ الأحد 15/1/2017، في الكنيسة الإنجيليّة في الرابية».
«نعم، هناك تجاوب كاثوليكي»، يلاحظ يونان. تكلم مع المدبر الرسولي الكاثوليكي في القدس، «وهناك اهتمام كاثوليكي كبير بهذا الامر. وسنتفق قريبا على اقامة صلاة مشتركة، اما في القدس، واما في عمان، للاحتفال بهذه المصالحة التاريخية».
في ظل هذه الاحتفالية، يوجه دعوة صريحة الى البروتستانت والكاثوليك في الشرق. «لنر وجه الله في الكنيسة الاخرى، ولنضع كل انواع الطائفية والامور المختلف عليها جانبا، ولنر في هذه التعددية الكنسية التي منحنا اياها الله في الشرق الاوسط بركة نجعل منها سببا لفائدة الآخرين». من تمنياته الكثيرة، «ان تتعاون الكنائس الكاثوليكية واللوثرية في الشرق الاوسط معا، وترى ما الامور التي تستطيع ان تحققها معا. شهادتنا اقوى عندما تكون موحدة».