سبتمبر 25, 2020

أنصار الثورة

عين على الحدث

هدية عيد الاستقلال: حكومة خاتمة الأحزان! العهد وحكومته الموعودة يطلقان الفرح المكبوت في صدور اللبنانيين

يبدو أن معجزة الخير والوفاق والتفاهم التي تحققت في الأيام الأخيرة من تشرين الأول/أكتوبر المنصرم، والتي أدت إلى انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية وتكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة العتيدة، ما زالت مفاعيلها مستمرة، وهي ستشهد فصولاً أخرى تؤدي إلى إراحة اللبنانيين الذين كانوا قد وصلوا إلى حال من القنوط والإحباط، لا على المستوى السياسي فحسب، بل أيضاً وخصوصاً على المستويات الاقتصاديةوالاجتماعية والحياتية.
لم ينزل المواطنون إلى الشوارع فقط للتعبير عن فرحتهم باكتمال هيكلية الحكم، والإعلان عن ثقتهم بالرئيسين عون والحريري، بل أيضاً لترجمة الأمل المتجدّد في انبعاث نهضة اقتصادية واجتماعية يتوقون إليها، بعد سنوات من التأزّم والتعثّر والاختناق في قطاعات عديدة: جمود ملف النفط والغاز، أزمة الكهرباء المزمنة، مراوحة أزمة النفايات، الشحّ في المياه، أزمة المعاينة الميكانيكية، اختناق السير، الاهتراء في البنى التحتية، كساد الانتاج الزراعي، الركود في الحركة التجارية، وأزمة الانتاج الصناعي وإقفال المؤسسات السياحية وسواها الكثير… وفي الطليعة ملف النازحين السوريين بأبعاده الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والسياسية.

للمرة الأولى منذ سنوات، تولَّد لدى اللبنانيين انطباع حقيقي بإمكان الخروج من النفق. وبعدما كانت كل المؤشرات سلبية عشية 31 تشرين الأول/أكتوبر، موعد جلسة انتخاب الرئيس عون، باتت اليوم تميل إلى اللون الأخضر. ويَنتظر العارفون أن ينطلق قطار الانفراج الحياتي سريعاً في موازاة الانفراج السياسي. فالمعجزة متوقعة هنا وهناك، وليس على اللبنانيين إلا أن يؤمنوا بقدرتهم على تحقيق هذا الانتصار في غمرة الأزمات والمآزق والصراعات التي تغرق فيها دول عديدة في الشرق الأوسط.

في خلال فترة الفراغ الرئاسي التي دامت نحو عامين ونصف العام، ارتفع الدين العام وانخفضت إيرادات الدولة وهبط النمو إلى ما يقارب ال١%. ومع انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية وارتفاع منسوب التفاؤل بتشكيل الرئيس الحريري حكومته قريباً، انتعشت الآمال
في تحقيق انفراجات في الملفات الاقتصادية والاجتماعية الشائكة، والتي ازدادت شراسة في ظل الفراغ، ما اثار المخاوف من بلوغ درجة الانهيار.

ازمات تحتاج الى حلول
الخبراء الإقتصاديون يتحدثون عن أزمات عدة يُفترض أن تسلك طريق الانفراج في المرحلة المقبلة وهي:

1 – أزمة ارتفاع الدين العام:
من أهم الملفات الاقتصادية التي يتعين على رئيس الجمهورية الجديد وحكومة العهد الأولى أن يبادرا إلى حلّها، تلك المتعلقة بالدين العام. ووفق بيانات وإحصاءات جمعية المصارف في لبنان، ارتفع الدين العام الإجمالي الى ٧٣.٣٨ مليار دولار في شهر حزيران/يونيو الماضي. وأظهرت بيانات الجمعية أنّ الدين العام ازداد على صعيدٍ سنوي ٤.١٩ مليارات دولار، مقارنةً بالمستوى الذي كان عليه في 2015 والبالغ حينها ٦٩.١٩ مليار دولار.
وبحسب الخبراء، فإن تنامي الدين العام اللبناني يعود سببه إلى ضعف القطاعات الاقتصادية، خاصة الإنتاجية، وغياب فرص الاستثمار في ظل الأوضاع التي تمر بها المنطقة.

2 – النفايات أولوية:
وينصح الخبير الاقتصادي مروان اسكندر بالبدء في رفع النفايات من الشوارع، وحلّ هذه الأزمة كمدخل إلزامي الى معالجة الملفات المالية والاقتصادية والاجتماعية المتراكمة. واعتبر أن الأولويات الأساسية اليوم في العهد الجديد يجب أن تكون البيئة وتحديداً أزمة النفايات التي تعتبر المعضلة الاولى التي يجب ايجاد حل نهائي لها، مشدداً على أنه في حال لم تحل هذه الأزمة لن يكتسب العهد صفة الدولة الحديثة.
وحول فكرة اعتماد المحارق كحل لأزمة النفايات، أوضح اسكندر ان كلفة كل محرقة تصل الى نحو 400 مليون دولار، وتحتاج كل محرقة الى مساحة 120 الف متر، ومساحة توازيها لوضع الرماد الناتج عن الحرق. وسأل: كيف سيتم تأمين نحو 240 الف متر مربع في مختلف المناطق اللبنانية، للتخلص من 700 طن من النفايات يومياً.
في المقابل، طرح اسكندر تكرار تجربة صيدا، حيث هناك معمل نفايات قائم للمعالجة، طاقته 500 طن في النهار بكلفة 50 مليون دولار، 25 في المئة من المخلفات تنتج اسمدة ويتم بيعها الى افريقيا، 20 في المئة حبيبات بلاستيك تستعمل لصناعة البلاستيك، اضافة الى تأمين الطاقة الكهربائية لانارة شوارع صيدا ليلاً. وأكد ان 5 معامل مشابهة لهذه التجربة بقدرة 700 طن يومياً كافية لإنهاء الأزمة.

أم المشاكل

3 – غياب الكهرباء:
يعاني لبنان من مشكلة تقنين الكهرباء، بحيث يصل الطلب على الكهرباء الى 3150 ميغاواط، في حين أن المعامل تستطيع إنتاج 1600 إلى 1700 ميغاواط. وتعاني شركات الإنتاج من الأعطال المستمرة. وبحسب الخبراء، يصل الهدر في شركة الكهرباء إلى ما بين 30 و٤٠% من الطاقة المنتجة في لبنان، ويعود عمر ٦٠% من محطات توليد الكهرباء إلى أكثر من 20 عاماً.
وتعتبر تكلفة الإنتاج في لبنان مرتفعة جداً مقارنة بالمعدل العالمي، إذ تصل تكلفة إنتاج كل 1 ميغاواط/ ساعة في لبنان إلى 255 ألف ليرة، استناداً إلى الخطة الإستراتيجية لقطاع الكهرباء التي أعلنها وزير الطاقة السابق جبران باسيل خلال تسلمه الوزارة لسنوات.
ويقول اسكندر: يجب أن يلي حل أزمة النفايات مشروع حل لأزمة الكهرباء. فمنذ العام 2010 وضعت دراسات مطولة وحلول لهذه الأزمة وفتحت لها الاعتمادات اللازمة، إنما ما حصل حتى اليوم هو اننا لا نزال نستعين بالمولدات الخاصة لتأمين الكهرباء 24/24، أو من البواخر التي استأجرت.
ولفت الى أن لا مانع من الاستعانة بالبواخر، لكن هذا النوع من البواخر يستعمل عادة لتأمين الطاقة لفترة وجيرة تحتسب بالاشهر وليس لثلاث سنوات ثم يتم التمديد لها لثلاث سنوات إضافية. وقال: كان يمكن للدولة ان تبني معملاً لتوليد الطاقة بقدرة 1500 ميغاوات خلال هذه الفترة، بكلفة مليار و200 مليون دولار، في حين انها تكبدت نحو 960 مليون دولار كلفة استئجار البواخر خلال السنوات الثلاث الاولى، وستسدد الكلفة ذاتها للسنوات الثلاث المقبلة.

4 – الغاز والبترول:
منذ العام 2010، صدرت تقارير أميركية تؤكد وجود البترول في شرقي المتوسط على مساحة 122 الف كلم مربع، للبنان من هذه الموارد 28 الى 30 في المئة من الغاز والبترول. وبدأت اسرائيل بالانتاج ودخلت في مفاوضات مع عدد من الدول لتصدير انتاجها واتفقت مع الاردن في هذا المجال وتتفاوض مع مصر للتصدير، فيما لبنان لم يحرك ساكناً في هذا الملف، ولا يزال هذا الملف عالقاً في السياسة.

5 – مصفاتا طرابلس والزهراني:
كذلك اعتبر اسكندر أن من الاولويات اليوم إعادة تشغيل مصفاتي طرابلس والزهراني. ولفت الى ان طاقة انتاج هاتين المصفاتين كانت نحو 50 الف برميل يومياً، بما يوازي مليونين ونصف المليون طن، في حين نحن نستهلك راهناً 6 ملايين طن من المشتقات النفطية يومياً.
ولفت الى ان كلفة استيراد المشتقات النفطية أعلى من كلفة استيراد البترول الخام وتكريره. لذا المطلوب اليوم فتح هذا الملف واعادة درسه، خصوصاً وأن منشآة النفط في طرابلس تستعمل اليوم كمخازن لاستيراد المشتقات النفطية.
ولفت الى أن أي عامل اليوم في المنشآت النفطية وقد تخطت مدة عمله هناك ال20 عاماً يحصل على تعويض عن 88 عاماً، اي ان تعويضات هؤلاء العمال اليوم باتت اكبر من قيمة المصفاة وحتى قيمة الارض.

6 – الشحّ في المياه:

كما يعاني لبنان شحّاً بالمياه يزداد يوماً بعد يوم، ويعود السبب في ذلك إلى غياب الخطط المناسبة لاستثمار الموارد المائية في بلد تُطلَق عليه تسمية خزان الشرق الأوسط. واعتبر اسكندر ان من أبرز الاولويات المطلوبة اليوم استعمال واستغلال موارد المياه، فنحن البلد الوحيد في شرق المتوسط، باستثناء تركيا، لدينا تساقط مياه اكثر من الحاجة. وللأسف، كل المواطنين يستعينون بالصهاريج لتلبية حاجتهم من المياه، الى جانب دفع الرسوم المتوجبة الى مؤسسة المياه. ودعا الى تنفيذ الخطط المائية الموضوعة لتوفير المياه منذ العام 1993 عبر انشاء السدود والبحيرات والبرك.

أزمات اقتصادية

7 – غياب الموازنة:

يفتقر لبنان إلى موازنة عامة منذ العام 2005، وإلى خطط للإنفاق. وبحسب خبراء، إنّ قيمة الإنفاق العام السنوي في لبنان تبلغ نحو 19 تريليون ليرة لبنانية. وهناك شبهات واتهامات تبادلتها القوى المتخاصمة حول سرقة الأموال العامة وارتكاب أعمال الفساد في المؤسسات العامة. وبحسب التقارير الدولية، ومنها مؤشر مدركات الفساد، تصل تكلفة الفساد في لبنان إلى 10 مليارات دولار.

8=توقف مشاريع البنى التحتية:
منذ العام 2006، لم يقر مجلس الوزراء مشاريع تتعلق بالبنية التحتية بسبب الخلافات السياسية وتعطيل المؤسسات. وتعاني خدمات النقل تردياً واضحاً. وغالبية الإستثمارات العامة التطويرية في قطاعات المياه والكهرباء والطرقات والأنفاق والبنية التحتية متوقفة.
9 – العجز التجاري:
ساهمت الأوضاع الإقليمية، والحروب، في توقف التبادل التجاري بين لبنان والعديد من الدول. وبسبب الحرب الدائرة في سوريا، توقفت الحركة أمام الشاحنات اللبنانية العابرة إلى سوريا التي تشكل المنفذ البري الوحيد للبنان، مما أثر بشكل سلبي على تصدير المنتجات الزراعية. كما تضرر القطاع الصناعي، بسبب غياب المواد الأولية، وتوقفت العديد من المصانع عن العمل. وفاق العجز في الميزان التجاري اللبناني 5 مليارات دولار.

الوضع التجاري

10 – الفقر والبطالة:

بسبب غياب الفرص الاستثمارية، وغياب المشاريع المحرِّكة للاقتصاد، ارتفعت نسبة البطالة. وعلى رغم غياب الإحصاءات الرسمية، فإنّ دراسات تشير إلى أنّ البطالة وصلت في صفوف الشباب اللبناني إلى أكثر من ٤٠%، فيما يقدر وزير العمل في حكومة تصريف الأعمال سجعان قزي عدد العاطلين عن العمل بنحو ٣٠%. وبطبيعة الحال انعكست أزمة البطالة في لبنان على المستوى المعيشي، فارتفع عدد الفقراء. وبحسب الأمم المتحدة هناك بين مليون ونصف مليون لبناني يصنفون في خانة ضعيف ما يعني أن أكثر من ٦٠% من الشعب اللبناني في دائرة الخطر.

11 – أزمة النزوح:

بسبب الحرب الدائرة في سوريا، تدفق أكثر من 1.5 مليون نازح إلى لبنان، فيما وصل عدد اللاجئين الفلسطينيين إلى الأراضي اللبنانية الى 422 ألف لاجئ بعدما اجتاز نحو ال 53 ألف فلسطيني الحدود اللبنانية قادمين من الأراضي السورية. وتشكل أزمة النزوح ضغطاً اقتصادياً على المرافق كافة. وبحسب تصاريح المسؤولين، فإنّ البنى التحتية، والخدمات، تردّت بشكل لافت بسبب الضغط السكاني، وانعكست هذه الأزمة على الواقع المعيشي والإجتماعي في لبنان.

١٢ – السياسة المالية:
واعتبر اسكندر ان السياسة النقدية تكون فعالة إذا قوبلت بسياسة مالية فعالة. ففي غياب السياسة المالية، اضطر المركزي إلى أن يتخطّى حدود السياسة النقدية ويقوم بهذا الدور، علماً ان السياسة المالية تلزمها اليوم اعادة صياغة من أساسها.

13 – ضيق المؤسسات والعاملين وحالات التصفية:
ووفقاً للإحصاءات، إن العام 2016 فاق في حالات التصفية وترك العمل المبكر من قبل العمال المسجلين في الضمان، الأعوام السابقة بما فيها العام 2015 الذي سجلت حالات التصفية وترك العمل خلاله معدلات قياسية مقارنة بالسنوات السابقة.

وتندرج حالات تصفية التعويضات او حالات الصرف من الخدمة بحسب قانون الضمان الاجتماعي وتحديداً فرع نهاية الخدمة، تحت ستة عناوين أساسية، هي: الترك المبكر وهذه من مظاهر الأزمات الاجتماعية والمعيشية، وحالات بلوغ السن 64 سنة، الزواج بالنسبة للنساء، العجز، الوفاة، إضافة إلى العنصر الأساسي وهو إمضاء عشرين سنة في الخدمة.
بالمقارنة، فقد بلغ عدد المضمونين الذين صفّوا تعويضاتهم خلال العام 2016 حتى شهر تشرين الأول/أكتوبر حوالى 21952 مضموناَ مقارنة مع حوالى 21095 مضموناً في العام 2015، أي بزيادة قدرها حوالي 900 مضمون خلال العام الحالي، مما يعني تصاعداً لطالبي التصفية. وحاجة طلب التعويض تعود إلى مجموعة أسباب أبرزها الحاجة إلى المال، نتيجة زيادة الأعباء المعيشية وعدم توافر فرص العمل.
ويتضح أن حالتي ترك العمل وطلب التصفيات المبكرة يشكلان القسم الأكبر من طالبي التعويضات لتزايد الحالات الاجتماعية والحاجة إلى الأموال لتغطية الاحتياجات الأساسية والضرورية في الظروف الصعبة، على رغم أن التصفية المبكرة للتعويضات قبل بلوغ السن وإنهاء 20 سنة خدمة، تؤدي إلى خسارة ما بين 25 و30 في المئة من قيمتها.
وارتفاع حالات الترك المبكر، البالغ عددها حوالى 12956 خلال العام 2016 مقابل حوالي 12796 حالة في العام 2015 من أصل حوالى 21095 وهو عدد الأجراء الذين صرفوا تعويضاتهم، يعني أن الترك المبكر للعمل بسبب حالات الصرف أو الحاجة الاجتماعية للتعويض تشكل ما نسبته 62 في المئة من العدد الإجمالي خلال السنتين الأخيرتين، اللتين شهدتا ارتفاعاً غير مسبوق في حالات التصفية التي تفوق بمعدّلاتها الأزمات السابقة التي مرت على لبنان بما فيها فترة الحروب والعدوان الإسرائيلي، منذ العام 1982.
تفاءلوا بالخير تجدوه!

إذاً، اللبنانيون الذين احتفلوا بانتخاب رئيسهم الجديد وبتكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة يتفاءلون بالخير، وهم واثقون في أن آمالهم لن تخيب. وأول الغيث سيكون اكتمال عقد الحكومة بسرعة لتنصرف إلى معالجة المسائل الحيوية التي ينتظرها هؤلاء الغارقون في الشوارع التي تهدد النفايات باجتياحها في اية لحظة، وفي ظلمة التقنين في الكهرباء والمياه، وفي زحمةٍ تحولهم أسرى السيارات لساعات.
لقد آن الأوان لينتهي عذاب اللبنانيين. إنهم شعب طيِّب ومضياف، ككل الشعوب العربية الشقيقة الغارقة في عذاباتها، وهم لا يستحقّون المعاناة. ف تفاءلوا بالخير تجدوه!