أكتوبر 20, 2020

أنصار الثورة

عين على الحدث

الطاقم السياسي اللبناني يهدر الفرص مجدداً بسبب معادلة أنا أو لا أحد!

البيت الأبيض على وشك استقبال رئيس جديد… وقصر بعبدا ينبت العشب على مداخله
موجة التفاؤل التي اطلقها الرئيس سعد الحريري بعودته إلى بيروت ومبادرته لتحريك الملف الرئاسي باتت تترنح، وثمة من يَخشى أن تكون قد سقطت تحت وطاة المصالح المتضاربة التي يتمسك بها الطاقم السياسي الداخلي. ويبدو أن حال المراوحة عادت تعصف بالملف. فهل موعد الجلسة المقبلة، الرقم 46، للانتخابات الرئاسية ستكون كسابقاتها ال 45؟
الذرائع المرفوعة للتعطيل لم تعد تقنع. فلم يعد كثير من اللبنانيين يصدقون أن ملء مقعد رئاسي شاغر في بلدة لبنانية هي بعبدا، مرهون فعلاً بتفاهم القوى الإقليمية والدولية ذات الشأن، خصوصاً أن الصلاحيات التي بقيت للموقع الرئاسي لا تؤثر كثيراً في المعادلات وموازين القوى.
في الخلاصة، تحرك الحريري بدينامية استثنائية منذ عودته إلى بيروت، فتشاور مع الجميع: من فرنجيه إلى جعجع وعون وبري وسواهم، لعله ينجح في كسر الجدار أمام الرئاسة، ولكن تبين أن الأزمة عميقة وان أوان التسوية لم يحِن بعد. لكن المؤكد هو أن جولة الحريري تركت إيجابيات مهمة في إيضاح طبيعة العراقيل التي تعترض الملف. فقد كشفت أو فضحت العديد من المواقف التي كانت غامضة بالنسبة إلى البعض.
فلماذا لا يحضر بعض الحريصين على الرئاسة جلسات الانتخاب في مواعيدها المقررة، وكيف يوفقون بين ادعائهم الحرص على موقع الرئاسة ومقاطعتهم الدائمة للجلسات منذ نحو عامين ونصف العام؟ ألا يساهم هؤلاء في إضاعة موقع الرئاسة وإضعافه؟ وماذا عن القوى السياسية التي تخبّئ عكس ما تعلن من مواقف تجاه الانتخابات الرئاسية؟
قصة الرئاسة صارت كقصة إبريق الزيت: عون ينتظر الحريري، الحريري يحاول فتح ثغرة في الجدار، فرنجيه يصرّ على ترشيحه، بري وجنبلاط يدعمانه وحزب الله لا يحدد موقفاً. وقد يستمرّ هذا الوضع شهوراً او سنوات، إذا لم يطرأ عنصر جديد على اللعبة، ويبقى لبنان بلا رئيس للجمهورية حتى إشعار آخر.
الرئيس الحريري قام بزيارة ذات مغزى لموسكو، في محاولة لكسر الدائرة المقفلة، ولكن يبدو أن الأميركيين سيأتون برئيس جديد إلى البيت البيض بعد شهر، فيما رئاسة الجمهورية في لبنان تَمضي عميقاً في الفراغ، بعامها الثالث. وعبثاً يراد من اللبنانيين أن يصدّقوا أن التعثّر هنا هو نتيجة لتعثر التسوية في سوريا. فمنذ عامين وخمسة أشهر، يتم اختراع الذريعة تلو الذريعة لتبرير الفراغ!
قد يكون الأكثر تعبيراً هنا تغريدة النائب وليد جنبلاط عبر تويتر، إذ علق على القول إن الرئاسة باتت في متناول اليد، وكتب عبر حسابه الخاص، باللغات العربية، الانكليزية والفرنسية، سائلاً: ما العمل؟ وأرفق التغريدة بصورة لطائر البوم…
لا يريد الرئيس سعد الحريري التوقف عن المحاولة. فهو يعمل لإحداث ثغرة في جدار الأزمة الرئاسية المقفل؟ وبعد مشاورات بيروت المكثفة، طرق الحريري باب موسكو حيث التقى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، بعدما كان التقى في الأول من نيسان/أبريل الماضي الرئيس فلاديمير بوتين وطلب منه التدخّل لدى طهران من أجل تسهيل إنتخاب النائب سليمان فرنجيه لرئاسة الجمهورية.
وآنذاك، تواصل بوتين مع الرئيس الإيراني حسن روحاني، وكذلك فعل لافروف مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف، وتباحث نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف مع معاون وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، إلا أن القيادة الروسية وصلت الى اقتناع بأن الباب الإيراني مقفل أمام الإستحقاق اللبناني، على أساس أن طهران لم تُبدِ إرتياحها للموقف الروسي. ويقال إن إيران أصرّت على التمسك بترشيح العماد ميشال عون، فيما رأت موسكو، وفقاً لمصادر سياسية مواكبة، أن لا تَوافق لبنانياً على عون. وهذه المعطيات أبلغها بوغدانوف الى الرياض والرئيس الحريري. وكذلك أبلغ الروس موقفهم الى عدد من القيادات اللبنانية، في مقدمها العماد عون.
أما عناوين الموقف الروسي فيمكن تلخيصها بثلاث ثوابت، هي:
– حرص على استقرار لبنان، وقلق من الأوضاع والمؤشرات التي تهدِّد هذا الإستقرار.
– ضرورة إنتخاب رئيس في أقرب وقت، لأن إطالة أمد الشغور في سدة الرئاسة ينعكس سلباً على استقرار لبنان ومصالح المسيحيين فيه، خصوصاً أن الرئيس اللبناني هو الرئيس المسيحي الوحيد في الشرق الأوسط.
– ضرورة إنتخاب رئيس توافقي، والنزول الى مجلس النواب لتأمين النصاب وإنجاز الإستحقاق الرئاسي أياً تكن أسماء المرشحين، لأن الزمن ليس زمن ترف سياسي، خصوصاً أن المسيحيين في سوريا والعراق يتعرضون لتهديدات وجودية دفعت أعداداً كبيرة منهم الى الهجرة.
ووفقاً للمصادر، يريد الحريري من لافروف معاودة التوسط لدى القيادة الإيرانية. واذا اقتنعت الدبلوماسية الروسية بلعب هذا الدور ونجحت في تغيير الموقف الإيراني المتريث في انتظار إنتهاء الإنتخابات الرئاسية الأميركية، يمكن انتخاب رئيس في لبنان. غير أن الأجواء في العاصمة الروسية لا توحي بتفاؤل كبير. ويذكّر دبلوماسيون في موسكو أن جهوداً حثيثة بذلتها القيادة الروسية مع قيادات لبنانية وعواصم إقليمية على مدى أكثر من سنتين، لكن كل المحاولات لم تصل الى نتيجة.
مشاورات في كل الاتجاهات
أما في بيروت، فحصل اللقاء المنتظر بين الرئيس سعد الحريري والعماد ميشال عون في الرابية، في حضور وزير الخارجية جبران باسيل. وكانت سبقت اللقاء زيارة قام بها الحريري لبنشعي حيث اجتمع مع النائب سليمان فرنجيه، وأخرى لمعراب حيث التقى رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع.
ولم يشأ لا الحريري ولا عون أن يقولا شيئاً بعد اللقاء. لكن المصادر التي واكبته أكدت أن الحريري لم يبلغ عون صراحة بأي تبديل في الموقف تجاه الانتخابات.
وفي معراب، أكد جعجع أن الاجتماع مع الحريري كان صراحة بالعمق، وتطرقنا إلى الموضوع الرئاسي بالطول والعرض، والخلاف حول موضوع السياسة مع الحريري بدأ يضيق. وقال: لا تنتظروا موقف الحريري النهائي قريبا، لكننا بتنا في بداية الطريق. ولفت الى ان الرئيس نبيه بري لا يأخذ الموقف المتقدم والتصلب من التشاور مع حزب الله، والمقصود بكلام بري ترك المفاوضات تأخذ مداها وتوصل الى نتائج.
اضاف: أحدٌ لا يمكنه إلغاء أحد في البلد، والماضي مع الماضي، ويجب أن نضع كل الجهد لانتخاب رئيس للجمهورية لانه يحل كل المشكلات، والرئيس الحريري مشكور لسعيه في هذا الموضوع، ومن المؤكد أنني متفائل اليوم أكثر من أمس.
واشار الى ان حزب الله لا يريد رئيساً ولا يريد عون رئيساً، وأتمنى أن أكون مخطئاً. ونحن مصرون على دعمنا العماد عون. وقال: لا أحد يستطيع أن يرفض أي شيء لأحد، منذ 20 عاماً ونحن محرومون. وأن يقولوا أن القوات تريد حقيبة سيادية منطق مرفوض جملة وتفصيلا.
أجواء اللقاء مع فرنجيه
وأما في بنشعي فقالت مصادر سياسية إن رئيس تيار المردة سليمان فرنجيه بادر الرئيس الحريري إلى القول: إذا جئت لتبلغني بأنك ستسير بخيار العماد عون فأنا أتفهم ظروفك ولا أعتب عليك وتعرف أن عتبي الأساسي هو على حلفائي الذين لم يساندوا ترشيحي بعدما تبنيته أنت.
ووفق أوساط المستقبل، كرر الحريري لفرنجيه مبررات تحركه الجديد بالقول أنه لم يترك مبادرة إلا وأقدم عليها للخروج من الشغور الرئاسي منذ ترشيح جعجع، إلى اقتراح الرئيس الجميل بديلاً، وحين طرحنا إمكان السير ببطرس حرب لم يقبلوا، ثم طرحنا فكرة المرشح التوافقي، وبعدها اتفقنا معك وما زلنا منذ زهاء 11 شهراً بلا أي تقدم على رغم ما قيل أن حزب الله دعا إلى التريث شهرين أو ثلاثة لعله يمشي بترشيحك. ثم رشح جعجع العماد عون لكننا ما زلنا على الحالة نفسها والحزب لا يقوم بأي خطوة ليجلب أصواتاً له مع أني رددت موقفي بالاستعداد للنزول إلى البرلمان ليجري التصويت وإذا فاز عون سأقول له مبروك. إلى متى نبقى على هذه الحال؟.
وأوضحت المصادر أن الحريري أكد حرصه على الخروج من الفراغ لأن البلد على حافة الانهيار اقتصادياً، وأن شلل المؤسسات بفعل الشغور لم يعد يحتمل، وأنه لم يخف ملاحظته لفرنجيه بأن كتلته لا تنزل إلى البرلمان، وأنه لم يقنع حلفاءه بالسعي الى الخروج من هذه الحالة، فيما الحريري يتعرض لحملة بأنه يقف ضد الميثاقية، فوق ما عاناه من دعمه فرنجيه على صعيد جمهوره، بينما الأقطاب الذين أيدوا خيار رئيس المردة لا يبذلون جهداً لإنجاح هذا الخيار، وهم يبدون مرتاحين على وضعهم، ويتركون المستقبل يتلقى الاتهامات بأنه يؤخر الرئاسة، في وقت يعاني جمهوره من اهتراء الدولة ويصبح عرضة للتأثر بالخطاب المتطرف.
إلا أن أوساط الحريري تضيف على ذلك القول إنه طرح السؤال كما في بقية محطات جولته حول ما يجب فعله للخروج من الركود، وأنه قرر فتح الخيارات كافة ولم يحسم نهائياً السير بخيار عون بانتظار استكمال مشاوراته.

ليس لعون!
وتلفت المصادر الواسعة الاطلاع إلى أن فرنجيه ذكّر الحريري بأنهما سبق أن اتفقا على أنه إذا ذهب إلى خيار آخر غيره لن ينسحب من السباق الرئاسي إلا لمرشح ثالث وليس لعون ولن أمشي به.
وأضافت: قال فرنجيه بوضوح للحريري أن هناك ثقة بنيت بيننا لكن انسحابي لم نتفق عليه. وعلى كل حال، إذا اتفقت مع عون فقد يحصل معك ما حصل مع الرئيس أمين الجميل حين عينه رئيساً للحكومة عام 1988 اضطر الأخير لمغادرة البلاد بعد تعرضه لمحاولة اغتيال وقيل في حينها أن عون أبلغه أنه لا يستطيع حمايته…، وهو ما صدر لاحقاً عن فرنجيه في تغريدة على تويتر.
وعلى رغم ذلك، اعتبرت أوساط المستقبل أن حركة الحريري أنتجت إيجابيات مع فرنجيه، لمجرد نزول عضو كتلة نوابه إسطفان الدويهي إلى جلسة البرلمان المخصصة لانتخاب الرئيس في الجلسة 45، منهياً بذلك تضامنه مع حزب الله في مقاطعة الجلسات.
ضربة معلم ووصفة أستاذ
ولكن، في أي حال، يعتقد بعض الأوساط السياسية في 14 آذار أن إعلان الحريري ليونة تجاه عون، في موازاة تحديد بري موعد 31 تشرين الأول/أكتوبر للجلسة الانتخابية التالية، تكفّل بأن العماد عون سيصوم عن التصعيد في شهر التصعيد المفترض… وسينام على الأحلام السعيدة في نهايته!
فتشرين الأول/أكتوبر له دلالاته في نظر الجمهور العوني. وكان مثالياً لبرمجة التصعيد. لكن مبادرة الحريري جعلت الرابية هادئة. وكان الأربعاء 28 أيلول/سبتمبر أهدأ أيام عون بدل أن يكون منطلق التصعيد. وهذا الهدوء مرشَّح للاستمرار إلى أن يسحب الحريري علناً مبادرته الجديدة. عندئذٍ فقط يعود عون إلى الغضب.
والتجارب السابقة ناجعة في هذا الإطار. ففي ربيع وصيف 2014، دارت مفاوضات حامية بين الحريري وعون، مباشرةً وعبر المقربين، بين بيروت وباريس وروما والرياض. وخلالها نام عون مراراً على حرير الرئاسة، لكن الحريري لم ينطق يوماً بأنه يؤيد وصول عون إلى بعبدا، وأيضاً لم يقل لا!
في تلك الفترة، كان حزب الله الأكثر ارتياحاً. ترك عون يفاوض الحريري: إذهب، لعلّك تنجح في إقناعه! الحزب كان يعتقد أن الحريري وعون لن يتوافقا. ولكن، من باب الاحتياط، ف الحزب مطمئن إلى أن الرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط لا يقتنعان حتماً.
وعندما أعلن المستقبل عدم تبني ترشيح عون، وقف حزب الله يواسي عون ويتضامن معه. وعندما تبنّى الحريري ترشيح فرنجيه. بات الحزب أكثر ارتياحاً، وقال: فليتفق الحليفان المارونيان على أنسحاب أحدهما للآخر. ولكن، عندما تبنّى جعجع ترشيح عون، أصيب الحزب بالإحراج، لأن أحداً لا يصدّق بأنه لا يمون على فرنجيه للانسحاب وعلى بري لتأييد عون.
توتّر عون
مارس عون فضيلة الصبر طويلاً قبل أن يبدأ بتفجير غضبه. لم يعد لديه ما يخسره. وهو يعرف أن مشكلته تكمن داخل فريقه السياسي، لكنه يتجنب التوتر مع الحزب. وفي الفترة الأخيرة، أظهر العونيون توتراً شديداً، خصوصاً في الحكومة والحوار، وصل بهم إلى طرح الميثاقية والشراكة.
واستخدم الوزير جبران باسيل عبارة الطلاق، بعدما طرح السؤال: نريد أن نعرف: هل تريدوننا أو لا؟ وأطلق عون برنامجه التصعيدي في شهر الاستحقاقات في المجلس النيابي. فالرسالة تعني الرئيس بري أولاً. وعلى الأرجح، يدرك التيار أن هذه الرسالة ستصل أيضاً إلى الحزب.
إذاً، المطلوب اليوم هو فرملة عون. والجميع يقول له: روق وخلّينا نشتغل!. وقد راق عون وبدأت استحقاقات تشرين تسلك طريقها بهدوء، على التوالي:
1 – أُنجِز التمديد للعماد جان قهوجي ورئيس الأركان، من دون مجلس وزراء، ومن دون أن ينفِّذ عون تهديداته بأن يقيم الدنيا ويقعدها.
2 – ستمرُّ ذكرى 13 تشرين الأول/أكتوبر، التي ترمز أساساً إلى المواجهة مع سوريا، بالحد الأدنى من نبش للقبور، فليس الآن وقته، خصوصاً أن التحالفات باتت اليوم مختلفة: حلفاء عون هم أنفسهم حلفاء دمشق التي خاض حربه معها.
٣ – بعد أيام، سيبدأ موسم الجلسات التشريعية. ومن المؤكد أنها ستمرّ بهدوء، بعد إرضاء عون والقوى المسيحية الأخرى ببعض التفاصيل، كما جرى في نهاية العام 2015.
٤ – إن موعد الجلسة التالية، 31 تشرين الأول/أكتوبر، يسبق موعد الانتخابات الأميركية بنحو أسبوع 8 تشرين الثاني/نوفمبر. وبعده، سيكون العالم كله في انتظار ما سيأتي به السيد الجديد للبيت الأبيض: ترامب أو كلينتون؟ أي إن المسافة التي ستفصل الجلسة 46 المفترضة في 31 تشرين الأول/أكتوبر عن الجلسة 47 المفترضة أيضاً ستشهد انتظاراً مثيراً للمناخ الدولي.
وخلال تشرين الأول/أكتوبر، ستبقى الرابية متفائلة بوجود فسحة أمل في انتخاب عون. لذلك، ستبقى على انتظارها الهادئ حتى إشعار آخر.
مسؤولية الفراغ
المتابعون يعتقدون أن الغالبية الساحقة من السياسيين اللبنانيين ليست مستعجلة لانتخاب رئيس للجمهورية، ولو أن كثيرين يتظاهرون بعكس ذلك، من باب رفع العتب وإبعاد الشبهة بإهمال موقع الرئاسة بأبعاده الدستورية والميثاقية. كما أن غالبية القوى الدولية والإقليمية المعنية بالوضع اللبناني لا تضع ملف الرئاسة اللبنانية في رأس أولوياتها. وما يهمها فقط هو أن يحافظ لبنان على استقراره في انتظار التسويات الإقليمية.
والفراغ في موقع الرئاسة لا يهدّد الاستقرار، لأن دستور الطائف منح مجلس الوزراء مجتمعاً صلاحية الرئيس بالوكالة في حال غيابه. كما أن المسيحيين المعنيين بهذا الموقع لم يعودوا في موقع القادر على التهديد بزعزعة الاستقرار، إذا لم تتمّ الاستجابة لمطالبهم، كما كانوا في مراحل سابقة.
من سوء حظ رئاسة الجمهورية في لبنان أنها تخصّ المسيحيين ميثاقياً، لذلك مكسورٌ ظَهرُها. ومن المؤكد أنها لو كانت تعني فئات أخرى فاعلة لكانت في ألف خير كما هي المواقع التي تشغلها اليوم هذه الفئات.
ومن سوء حظ رئاسة الجمهورية أيضاً أن الكثير من قادة المسيحيين لا يعرفون قيمتها ولا يتصرَّفون بالشكل الذي يحفظها. وواقعياً، قد يموت هذا الموقع بفعل الجهل أو بفعل التجاهل، أو بالفعلين معاً.
الراعي ينتقد السلّة
في هذه الاجواء، رمى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قنبلة من العيار الثقيل في الوسط السياسي من خلال حملة عنيفة شنّها على ربط الملف الرئاسي ب السلّة المتكاملة، واعتبارها ممرّاً إلزامياً له، كما قال الرئيس نبيه بري.
واعتبر البطريرك الراعي ان ذلك يشكل مسّاً بكرامة المرشح واختزالاً للدستور والميثاق. وقال: مع تقديرنا الكامل وتشجيعنا للجهود الساعية إلى انتخاب رئيس للجمهورية، والتي نرجو لها النجاح في أسرع وقت ممكن، يتكلمون عن سلّة تفاهم كشرط وممر لإنتخاب رئيس الجمهورية، هل هذه السلّة تحل محل الدستور والميثاق الوطني؟
وسأل الراعي: كيف يقبل أيّ مرشح للرئاسة الأولى، ذي كرامة وإدراك لمسؤولياته، أن يعرَّى من مسؤولياته الدستورية، بفرض سلّة شروط عليه غير دستورية، وأن يحكم كأداة صماء؟ هذا إذا ما كان الأمر للمماطلة بانتظار الوحي وكلمة السر من الخارج.
وكان نقل عن بكركي استياءها من إعادة طرح سلّة برّي وتعويمها مع مبادرة الحريري الأخيرة، لأنها تقتضي المعرفة المسبقة بخطّة رئيس الجمهورية المنتخب ورئيس الحكومة المكلف، وتوزيع الحقائب وأسماء الوزراء ووضع كل التفاصيل عند رئيس مجلس النواب. وهذا ما يشكّل إهانة لرئيس الجمهورية الذي سيتم وضع شروط مسبقة عليه، كذلك هي إذلال لرئيس الحكومة ووضع شروط أيضاً عليه لجهة توزيع الوزراء ومعرفة الأسماء وهي سابقة لم تحصل أن تمّ وضع سلّة متكاملة بأسماء الوزراء والحقائب واسم قائد الجيش وكل الأمور، ويتمّ إلغاء دور الرئيس المنتخب والرئيس المكلف لرئاسة الحكومة.
بري يردّ
وردّ بري على ما صدر عن البطريرك الماروني بالقول: أما انك أخفيت ما اعلنت فإني أعلن ما أخفي: بين سلة الأشخاص التي اقترحتم وسلة الأفكار التي قدمتها في الحوار، أترك للتاريخ أن يحكم أيهما الدستوري وأيهما الأجدى من دون الحاجة إلى المسّ بالكرامات، وكرامتنا جميعاً من الله.
وربطاً بذلك، جدّد بري أمام زواره التأكيد على انّ التفاهمات هي المعبر الوحيد الى الرئاسة، وقال: قلت وأكرّر انّ اللقاءات الشخصية والثنائية او الثلاثية، على أهميتها، لن تؤدي الى ايّ نتيجة بل اللقاء الجامع هو الذي يوصِل الى الحل المنشود، وأساسه اولاً الاتفاق على رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والحكومة وشكلها وكيفية تمثيل القوى السياسية فيها وحجم تمثيل كل طرف سيشارك فيها بالإضافة الى سياستها وأدائها وتوجهاتها الداخلية والخارجية.
وأضاف: أخاطب من يقول بالاكتفاء بانتخاب الرئيس ومن ثم العودة لاحقاً الى مقاربة الأمور الأخرى، إنّ هذا لن يؤدي الى اية نتيجة بل سيبقينا في الدوّامة ذاتها. وقبل أن نُسأل هل انت مع هذا المرشح او ذاك او مع عون او ضده؟ فأنا لست ضد الشخص ايّ شخص. موقفي واضح هو التفاهم ثم التفاهم ثم التفاهم بمعزل عمّا اذا كان الشخص هو عون او غيره من المرشحين.
ويلفت بري الانتباه الى أن المسؤول الأول عن تعثر انتخاب عون حتى الآن هو عون نفسه، معتبرا ان سلوكه الاجمالي في العديد من الملفات والمحطات دفع الكثيرين الى الارتياب في نياته والامتناع عن دعمه. وكان يُفترض بالجنرال ان يعتمد منهجية مغايرة تماما لو شاء ان يسهل طريقه الى الرئاسة وان يكسب ثقة الآخرين، أما ان يعلق مشاركته في هيئة الحوار الوطني، ويعطل مجلس النواب ويرفض الاعتراف بشرعيته ويحاول الطعن بها، ويقاطع الحكومة ويرفض وزراؤه التوقيع على العديد من القرارات العادية التي اتُخذت في غيابهم سعيا الى منع نفاذها، ثم يطالب الناس بان تقف معه.. فهذا أمر لا يستقيم مع المنطق.
ويوضح بري انه حاول في البداية ان يقدم كل التسهيلات الممكنة لتأمين انتخاب الجنرال، وكم من مرة أرجأت الجلسة الانتخابية اسبوعاً او أكثر بقليل، استجابة لرغبة الجنرال الذي كان يبلغني بعد كل جلسة، في المراحل الاولى للاستحقاق الرئاسي، ان اموره مع الحريري ماشية وتكاد تنضج، تماما كالاجواء السائدة حالياً، وانه يحتاج فقط الى وقت قصير لانتزاع موافقة الحريري، فكنت أتجاوب معه، لكن توقعاته لم تصح، وأخشى ألا تصح هذه المرة أيضاً.

مسيحيو 14 آذار
وعلقت مصادر مسيحية في فريق 14 آذار على الجدال الدائر بين بكركي وعين التينة بالقول: إن سياسة الصيف والشتاء لا يمكن ان تبقى قائمة في لبنان، وفي كل مرة يراد فيها انتخاب رئيس وتقترب اللقمة من الفم تعلو أصوات سائر القيادات، واضعة رزماً من المطالب والشروط، وخصوصاً من اقطاب فريق 8 آذار الذين يتحكمون باللعبة السياسية ويساهمون في عرقلة الانتخابات الرئاسية، مباشرة بمقاطعة نوابهم جلسات الانتخاب أو بطريقة غير مباشرة بإيفاد بعضهم كتلة التنمية والتحرير مع ضمانة عدم توافر النصاب من خلال مقاطعة سائر نواب 8 آذار.
وتشير المصادر الى طرح المثالثة التي لا يتوانى بعض اطراف 8 آذار عن التذكير بها من حين الى آخر، بهدف ضمان دور ل حزب الله مستقبلاً، فلا يُسأل عن سلاحه ولا عما كان يفعل في سوريا وسائر الدول التي حضر فيها عسكرياً، على أثر عودته الى الداخل، ولا تتكرر التجربة المريرة مع الرئيس ميشال سليمان الذي يرى الحزب انه انقلب عليه وصولاً الى وصف معادلته الذهبية ب الخشبية.
من هنا، تلفت المصادر الى ان البطريرك الماروني ربما استشعر او وصلت اليه رسائل معينة مما يجري نسجه لتكبيل الرئيس المسيحي، خصوصاً بعدما تردد أن حزب الله يرفع فيتوات في وجه تعيين شخصية قواتية في وزارات الداخلية والدفاع والمالية وفي قيادة الجيش وحاكمية مصرف لبنان ومدعي عام التمييز، توازياً مع معلومات عن ان الرئيس بري يريد حقيبتي المالية والطاقة. وهي تسريبات اذا صحت، فمن شأنها تقليص صلاحيات الرئيس الى الحد الأدنى وتحويله الى رئيس صُوري لا لون ولا طعم له وجعل الحكم والسلطة والقرار في يد الثنائية الشيعية واعطاء دور لهيئة الحوار لاعتماد فديرالية الطوائف والمذاهب لاحقاً، وهو ما تؤكد المصادر انه حمل البطريرك على تأكيد ضرورة العودة الى الدستور وتطبيق نصوصه.
وهكذا، ثمة من يطرح سؤالاً ليس عن مستقبل السلّة التي ينادي بها رئيس مجلس النواب منذ أشهر، بل عن التسوية السياسية عموماً، وعن مصير الملف الرئاسي برمته. فالواضح أن لبنان سيدخل عميقاً في نفق الأزمة. وفي ظل استحالة وصول عون وسائر المرشحين المطروحين إلى الرئاسة، وفي ظل استحالة انسحابهم من المعركة، سينتظر لبنان حلّ أزمات كثيرة في الداخل والمنطقة، ولن يكون أحد متفرغاً لمعالجة شؤونه قبل أشهر أخرى، أي إنه سينتظر على الأقل إلى ربيع العام 2017 ليفكر أحد بانتخاب رئيس