سبتمبر 30, 2020

أنصار الثورة

عين على الحدث

قراءة في كتاب سعيد عقل – الشاعر العَجَب

وأخيرًا، أصدرت الإعلاميّة الدكتورة ريما نجم بجاني كتابها الأنيق الرائع إخراجًا وطباعةً ومضمونًا: سعيد عقل – الشاعر العَجَب، محاولة في كونه. وقد جاء هذا الكتاب بفصوله الأربعة الأساسية دراسة أكاديميّة راقية على منهجيّة صارمة. وقد عادت صاحبته إلى مصادر مراجع ومدوّنات ووثائق مهمّة، لتأتي بكتاب زاوجت فيه بين الأكاديميّة في المعالجة النقديّة، والطاقة الشعريّة والجماليّة الفنيّة، على محبة وتقدير، فرأت سعيد عقل بعين الناقد وعين المُحبّ.
وإذا كانت دراسات سابقة قد تناولت سعيد عقل شاعرًا في موضوعات شتّى ومفاهيم متعدّدة، فإنّ ريما نجم بجاني قد تناولت موضوعات عند سعيد عقل جليلة، وهي محبّبة إليه، وريما التي رافقت سعيد في سنواته الأخيرة وعايشته عن قرب حمَّلها هموم قِيَمٍ كانت تشغله، وهي: الله والعقل ولبنان. فضلاً عن مسألة الحرفَ واللغة، التي أطلق فيها ثورة لسانيّة، جعلته مثار جدل وخلاف وتأييد في لبنان والعالم العربي. والكتاب على أهميته، قد ألحقت مؤلفته به فصولاً وصفحات، جاءت كملاحق في حياة سعيد وفكره وأدبه، فكأن الكتاب هذا قد جاء كتابين. حتى قال الدكتور أمين ألبرت الريحاني: كتاب سعيد عقل – الشاعر العجب، محاولة في كونه جاء فعلاً محاولة بهيّة مجبولة بالحب لسعيد، واللهفة على نتاجه والشغف بفضائه وكونه … ليرفده الصحافي المرموق الأستاذ الوزير جورج سكاف، بقوله: يوم قلّد قلمها الصولجان احتفاءً بكتابيها المميزين: فيروز وعلى الأرض السلام، وجبران خليل جبران، أجراس الثورة وأعراس الحريّة اصطفاها الشاعر الملك سعيد عقل لأن تكون الأمينة على مملكة شعره ونثره وفكره، على مملكة عبقرية لا يحدّها حدّ. ريما نجم بجاني، صاحبة هذا القلم الصولجان، وسيّدة الكلمة الملكة، تقف اليوم على ثالث أعلى قمّة من قمم لبنان.

.. فيزكّي كلامهما سماحة المرجع السيّد محمد حسن الأمين برأيه: كم أنا سعيد أيّتها السيدة العظيمة الدكتورة ريما فضل نجم بهذا الإنجاز الاستثنائي في كتابك عن سعيد عقل .. ولست محرجًا أمام أحد من عشرات الأدباء الذين كتبوا عنه حين أقول إنّ أحدًا لم يجترح ما اجترحته من كشوفات في مغامرتك الرائعة في إضاءة الظلمات والأبعاد الخفيّة السريّة في أقاليم هذا الشاعر الكبير … لا أجاملك في القول إنّك وسعيد عقل من قماشة متماثلة. لو أتيح له أن يقرأ بحثك عنه هذا لقال صادقًا: لقد علّمني قلم هذه الأديبة العَجَب من شعري ما لم أعلم.
رصانة وجديّة
هذه بعض شهادات ذات قيمة أدبيّة ونقدية رفيعة في قلم ريما نجم بجاني – وهي كفيئة لمثل هذه الشهادات. وهي ذات كفاية في الدراسة الأدبية والنقدية، لما تتمتّع به من رصانة وجديّة ودراية ومعرفة في الموضوعات التي تكتب فيها، وكتابها الذي نحن في صدده خير دليل على ما نقول، وما قاله غيرنا من أصحاب الرأي والعلم والمعرفة والنقد.
وفي هذا المقام ندرج، إذا كان كتاب جوزف صايغ: سعيد عقل وأشياء الجمال صدر العام 1959 قد تناول شعرية سعيد عقل وجماليته من خلال ديوان رندلى وقد قال صاحبه … محاولتي، إذن، إطلالة على الجمال كمصير. … استهدف إطلالةً، من خلال رندلى، على مصير شِعْريّ للإنسان. وإذا كان كتاب جان دورتال الصادر بالفرنسيّة: Said Akl, un grand poète libanais صدر العام 1970 قد تناول سعيد عقل: الشعريّة، والمصلح اللغوي، والمعماريّ الرياضيّ الفكريّ، ورجل العمل، والفيلسوف … إذ هو مجوسي كلمة وملك وشاعر الكلمة الصعبة، وهو القائل المرأة تُحبّ كملكة لا كسلعة وقد كتب قدموس ليكون دستور الأمّة اللبنانيّة حيث القصيدة عنده سفر نفس طلاّعة نحو الاشعاع الكوني حيث الله … وحيث اعترف بتأثير بول فاليري فيه، وقد مزج في شعره الطبيعة بالكون، فإذا الله خالق الأزل والأبد والسرمد، هو هذه جميعًا، عنده.

وإذا كان كتاب جورج غريّب سعيد عقل والغزل الخلاّق صدر العام 1963 كتاب المرأة في عالم الجمال الرسول، بل تاريخ المرأة اللبنانية في تاريخ الجمال، وتاريخ المرأة في السمو الإلهي، كما في قصيدة سعيد المجدليّة، ذاك أنّ سعيد عقل أراد أنْ يبني للكلمة اللبنانيّة كرامة، في عقر دارها، وفي الكون، وكلّ ذلك من لبنان، أرض الحُبّ الجمال، منذ تموز أدونيس وعشتروت أرض التمدن منذ أولى عواصم الفكر في العالم …

وإذا كان كتاب الدكتور مناف منصور مدخل إلى الأدب المقارن – سعيد عقل وبول فاليري صدر العام 1980 قد بيّن أثر الشاعر الفرنسي، في شاعرنا اللبناني، ولا سيما في اعتبار الشاعر مهندسًا يجعل القصيدة سلسلة من الجواهر أو عقدًا من اللؤلؤ، بحسب فاليري، والقصيدة عند سعيد عقل معضلة هندسيّة محكمة البناء، ومن هنا جاءت أعماله العظيمة عمارات شعريّة: بنت يفتاح، المجدلية، قدموس، ثم رندلى الديوان الذي يمكن أن يُعدّ مختصر شعر سعيد الغزلي، وإنْ تعدّدت دواوينه فيه …، ثم بان أثر فاليري فيه في قصيدة شيراز غير منشورة في مجموعات سعيد وراجع جريدة المكشوف، 1936، العدد 190.
هموم عقل الأساسيّة
فإن كتاب ريما نجم بجاني، حمل هموم سعيد عقل الأساسيّة، فكانت فصوله: في المقام المعرفيّ، في مقام الشِعْر، في مقام القيم الخلاّقة عند سعيد عقل وهي: المقام اللبنانيّ، قيمة في مقام الله، في مقام العقل عند سعيد عقل ليأتي الفصل الأخير، في مقام اللغة والحرف. وفي هذه المواضيع أحدث سعيد عقل ضجّة كبرى جعلت له خصومًا، وأنظمة وسلطات ناصبته القطيعة والعداء. وجعلت باحثين عربًا وأجانب يتناولون هذه المعضلة. وقد عالجتها الدكتورة ريما نجم بجاني بموضوعية وعناية ودقة واضعة القول في مقامه العلميّ النقدي الأكاديميّ. فكانت فارسة ميدان في خضم فرسان أشاوس، وأميرة رأي، ووضع قولٍ في نصابه حيث يَصحّ فيها المثل العربيّ القديم: قَطَعَتْ جهيزة كلّ كلام … لأنّها أظهرت ما لسعيد عقل وما عليه، بعلميّة ومنطق وموضوعيّة …
فسعيد عقل على قلم ريما نجم بجّاني قمّة شعر وقمّة نثر … بل هو شاعر عصر، سيظل ظلّه ممتدًّا على أرض الشعر العربيّ. وهو الشاعر الملك، الذي أَعجبَ في بداياته الأب المستشرق هنري لامنس اليسوعيّ وغيره من الشعراء والأدباء والكتّاب والنقّاد. وقد قال سعيد تقيّ الدين عن شعره هذا الشِعْر خُلِق ليُنْشد لا ليُنْقد. هي الموسيقى، والإحساس المرهف، والبلاغة الطليقة، تلتقي مرّة كلّ جيل، فتتآلف وتبلغ رقمًا قياسيًّا جديدًا، فتراها هناك على ذروة الذروة، في سعيد عقل، وتحسّ، وهذا مقياس العظمة، حين تتغنى بشعره، إنّك معه هناك، في الذروة، تتفيَّأ أهداب رندلى وتداعب جدائلها … وتذكر بسبب – شعر سعيد عقل – أنّ أنبل ما في الحياة وأعمقها، هو مبهم غامض اسمه الله … إنّ سعيد عقل قفز – بشعره لا بنثره – إلى الضفة الثالثة من نهر اللغة.
وهكذا كانت ريما نجم بجاني بكتابها عن سعيد عقل الذي كتبته بمغامرة غير مأمونة وهي التي التقته مرارًا واقتربت من مداخله الشعريّة والفنيّة والفكريّة والحسيّة، وقاربت – أحيانًا – خصوصياته، فاستدرجت عبقريّته ونبوغه إلى البوح، حتى قال لها ذات يوم: حَبَّيْت جرأتك، يا ريما
وقالت ريما كلمتها، وما مشت! فهل كانت مغامرة وقد قال لها مرة أخرى: ريما … عم تدهشيني! … وغاب!
وأدرك رحيل سعيد عقل ريما، فتركت القلم، وكان الكتاب!