سبتمبر 24, 2020

أنصار الثورة

عين على الحدث

الاتحاد الأوروبي.. ماذا بعد «الزلزال» البريطاني؟ في الذكرى ال001 لاتفاق سايكس – بيكو: الشرق يتفكَّك ويفكِّك أوروبا

في ذكرى 100 عام على سايكس – بيكو، المفاجأة الأولى كانت اهتزاز الكيانات التي صنعها هذا الاتفاق في الشرق الأوسط. لكن المفاجأة الثانية تبدو أكثر دراماتيكية: ليس المصنوعُ وحده هو الذي يهتزّ، بل الصانعُ أيضاً. وبريطانيا قد تكون أول الغيث في سلسلة طويلة.
يقول البعض: إنها لعنة الشرق الأوسط تصيب أوروبا التي صنعت كياناته على قياس مصالحها، ولا سيما بريطانيا التي خلقت إسرائيل بوعدِ بلفور؟
ومع أن اللجوء إلى القَدَر لا يصلح للقراءة السياسية، فمن الواقعية القول إن مأزق الشرق الأوسط كان حاضراً في حيثيات القرار الذي اتخذته غالبية البريطانيين: الخروج من الاتحاد الأوروبي. والتحوُّلات العميقة الحاصلة والمتوقعة في أوروبا والولايات المتحدة والعالم مرتبطة بالتحوُّلات الجارية في الشرق الأوسط منذ اندلاع الربيع العربي في 2010.
فهناك عنصران شرق أوسطيان دفعا البريطانيين إلى تغليب فارق ال١.٩% المؤيد للانفصال:
1- فوبيا اللاجئين والإرهاب وعجز القارة العجوز عن مواجهتها في شكل قاطع.
2- الابتزاز التركي لأوروبا، المرتبط أيضاً باللاجئين، والخوف من مفاعيل دخول تركيا إلى الاتحاد.
يمكن القول إن الكيانات العربية التي خلقها البريطانيون والفرنسيون قبل 100 عام على رقعة الجغرافيا تهاجمهم اليوم بفَيْضٍ من الديموغرافيا.
كما يمكن القول إن إسرائيل التي خلقتها بريطانيا وفرنسا قبل 70 عاماً، تقاتل ضد أوروبا – وفرنسا خصوصاً – لأنها بقيت دائماً تلتزم ثوابت السلام التي تتناقض ومشروعها الشرق أوسطي.
ويتلقّى دعاة الانفصال البريطانيون، والأوروبيون عموماً، دعم اليمين الإسرائيلي المتطرِّف لأن أوروبا، ولا سيما الكاثوليكية والفاتيكان، بقيت تنادي بالاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة وفي العودة. وهذان البندان ترفضهما إسرائيل بالمطلق.
وكأن الشرق الأوسط يحاسب اليوم أوروبا: العرب ينتقمون بواسطة اللاجئين، ولكن بلا مبرِّر منطقي. وأما إسرائيل فهي تستفيد من إسقاط أوروبا المزعجة، والعودة إلى التعاطي بالمفرّق مع الأوروبيين، بعدما أنجزت اتفاقاتها مع روسيا بوتين وواشنطن ما بعد أوباما، أياً يكن الرئيس الآتي، وتفاهمت مع تركيا.

ربيع اوروبا!!
وأوروبا التي مجَّدت الربيع العربي قبل 6 سنوات، ومجَّدت الربيع السوفياتي قبل ربع قرن، تبدو مقبلة على ربيعها أيضاً. وملامح الربيع الأوروبي، هي أيضاً، ربما تتضمن زعزعةً لدول ونشوء دول أخرى، كما حدث مع نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات من القرن الماضي عندما تداعت المجموعة الاشتراكية ومعها تفكَّكت كيانات، على البارد أو بالنار والدم الاتحاد السوفياتي، يوغوسلافيا، تشيكوسلوفاكيا.
واليوم، مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ظهرت 4 خلاصات خطرة جداً:
1 – إن دومينو الاتحاد الأوروبي معرَّض فعلاً للانهيار بسقوط إحدى ركائزه الثلاث الأساسية بريطانيا – فرنسا – ألمانيا.
2 – إن بريطانيا نفسها ربما تكون قيد الاهتزاز. فاسكوتلندا وإيرلندا الشمالية اللتان اقترعتا للبقاء في الاتحاد، واللتان تنمو فيهما نزعة الانفصال عن بريطانيا، ستكون لهما مبرّرات أقوى للذهاب فيها بعيداً.
3 – إن القوى اليمينية المتطرفة، أي ذات النزعات الانفصالية عن أوروبا، في كل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي باتت اليوم أقوى وأكثر ثقة في أنها تستطيع البلوغ إلى أهدافها، وسارعت إلى المطالبة باستفتاءات مماثلة فرنسا وهولندا في الطليعة.
4 – إن المزاج الأوروبي الجديد ستكون له انعكاسات، إيجابية أو سلبية، على مزاج الناخبين الأميركيين قبل 4 أشهر من المعركة الانتخابية بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب الذي تلقّى الخبر البريطاني سعيداً وهو في أرض المعركة في اسكوتلندا، موطن والدته.
وكل هذه المخاطر تعصف بأوروبا وكياناتها فيما كانت حتى اليوم تنصِّب نفسها راعية للتسويات – أو للصراعات – في الشرق الأوسط. ولذلك، يجدر السؤال: بعد ظهور علامات التحلُّل في الجسم الأوروبي، ماذا سيفعل موفدو أوروبا إلى الشرق الأوسط؟ وبناء على أي رصيد سيتقدّمون بطروحاتهم السياسية، وسيدافعون عن أية مصالح؟
من المبكر الحديث عن انهيار أوروبا. فانفجار المجموعة الاشتراكية استغرق أعواماً. لكن المؤكد أن الزمن الأوروبي آخذ في الأفول أكثر فأكثر. ومن سخريات القدَر أن ينتهي زمن المستعمِرين والمستعمَرين معاً.

ولكن، من المؤكد أن العرب سيبقون تحت رحمة الاستعمارات الجديدة، وأنهم سيترحَّمون على الاستعمار الأوروبي الإنساني عندما يتذوّقون مرارة الاستعمار البديل، الذي تقوده إسرائيل بيدها مباشرة.
إذاً، فعلتها بريطانيا وفاجأت الجميع. ويوم 23 حزيران/يونيو 2016 لم يكن عادياً في تاريخها والتاريخ الأوروبي عموماً. ففيه حسمت خيارها وقررت إنهاء 43 عاماً من الزواج مع أوروبا. وفي ذلك، وضَعت مصير القارة العجوز على المحك. وأما التداعيات فستكون عميقة على المستوى العالمي بعدما بدأ البريطانيون مسار الإستقلال عن محيطهم الأوروبي، وإن لم تكن نتائج الاستفتاء البريطاني راجحة بقوة لمصلحة الانفصال.
فالانفصاليون حصلوا على ٥١.٩% مقابل ٤٨.١، أي إن البريطانيين ينقسمون في شبه مناصفة بين المنادين بالبقاء ضمن الاتحاد الاوروبي والمنادين بالخروج منه. وهذا ما سيرشح بريطانيا لسلسلة أزمات داخلية. وجاء إعلان رئيس الحكومة دايفيد كاميرون عزمه على الاستقالة ليثير تجاذباً داخل حزب المحافظين على القيادة، فيما وصَل اليورو والجنَيه الى أدنى مستوياتهما. وبدت روسيا الأكثرَ ارتياحاً إلى ما يصيب جبهة الضغط والعقوبات الاوروبية عليها. وأمّا الحليف الاميركي فيراقب التحوّلات باهتمام بالغ.

ستة دوافع
ما هي دوافع البريطانيين إلى القرار؟
يتحدث الخبراء عن سلسلة دوافع تقف وراء الميل البريطاني إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي، ومنها:
1 – الضغط الذي يمارسه اللاجئون على الدول الأوروبية، والذي يترك تداعيات ديموغرافية متزايدة.
2 – الإرهاب الذي يهدد أوروبا، والمرتبط بأزمات الشرق الأوسط.
3 – السياسة التركية الهادفة الى استثمار الإرباك الأوروبي في ملف اللاجئين لتحصيل مكاسب مالية ودخول الاتحاد الأوروبي.
4 – الخلل في التوازن الاقتصادي بين دول أوروبا الفقيرة والغنية.
5 – فشل الاتحاد الأوروبي في تحقيق الطموحات الاستراتيجية التي قام من أجلها، بما في ذلك التقارب الثقافي.
6 – إزدياد الاتجاهات الاستقلالية في العالم عموماً، في ظل نمو الاحزاب اليمينية المتطرفة في العديد من دول أوروبا.
ويبدو الاتحاد الاوروبي أمام التحدي الكبير لاتّخاذ إجراءات تجنّبِه الانهيار. ولكن، هل يملك القدرة على ذلك؟

الانعكاسات على الشرق الأوسط
ويسأل العديد من الخبراء عن تأثير الانفصال البريطاني على أزمات الشرق الأوسط، وفي مقدّمها أزمة الصراع العربي – الاسرائيلي والأزمة السورية، وتأثيرات هذه الخطوة على ملف اللاجئين والنازحين من مناطق النزاع في الشرق الأوسط؟
في الدرجة الأولى، سينعكس إضعاف أوروبا سلباً على دورها في تحريك عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، والتي تقودها فرنسا في شكل خاص، وهي تلقى معارضة إسرائيلية، ما سيقوي الموقف الإسرائيلي في المحادثات مع الجانب الفلسطيني برعاية أميركية – روسيّة. ومن دون الاتحاد الأوروبي، ستعود بريطانيا حليفة لصيقة بالولايات المتحدة.
وأما بالنسبة إلى الملف السوري، فإن المحادثات المنتظرة بين الأوروبيين وتركيا فقد تنتهي بتملص الأوروبيين من إلغاء التأشيرة المفروضة على المواطنين الأتراك لدخول أوروبا، ما يعني سقوط الاتفاق الخاص باللاجئين. وهذا ما سيؤدي إلى تدفق غزير للاجئين إلى أوروبا، وتالياً نمو الموجات المتطرفة داخلها تحت تأثير الإسلاموفوبيا، والمطالبة بالخروج من الاتحاد الأوروبي على غرار بريطانيا.
وقد يعمد الأوروبيون إلى رشوة تركيا ببعض المكاسب الاقتصادية الإضافية ما سيثير الرأي العام الأوروبي أيضاً. وفي المقابل، قد لا ترضى تركيا بتفويت هذه الفرصة السانحة لدخول أوروبا لأنها قد لا تتكرر. وسيكون لإضعاف الدور الأوروبي في الشرق الأوسط انعكاس مباشر على ملف الصراع السوري، لأنه سيطلق يد الولايات المتحدة وروسيا، في حضور إيران وتركيا التي رممت علاقاتها حديثاً مع إسرائيل.

الاقتصاد والمخاوف
ويقول خبراء اقتصاديون في كلية لندن للأعمال أن احتمال تدني مستوى الاقتصاد البريطاني جراء تصويت البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي قد يؤدي إلى الكثير من النتائج كانخفاض إجمالي الناتج المحلي بنسبة تصل إلى ٤%، وخوض سنوات من عدم الاستقرار الاقتصادي. وتوقع ريتشارد بورتس، أستاذ الاقتصاد في الكلية، أنه إلى جانب انخفاض الإنتاج والعمالة، من المتوقع أن يشهد الاقتصاد اضطرابات مالية كبرى. وقال: يسجّل عجز الحساب الجاري الآن نسبة تصل من ٦ – ٧% بتمويل تدفقاتٍ رأسمالية غير مستقرة. وقد يشهد المدى القريب حدوث مخاطر تشمل انهياراً في سوق العقارات، في العاصمة لندن على الأقل، وانخفاضاً شديداً في سعر الصرف. ولأن أكثر من ٥٠% من صادرات المملكة المتحدة تتجه إلى الاتحاد الأوروبي، فإن انهيار التجارة سيؤثر سلباً على الصادرات وعلى ديناميكية الاقتصاد أيضاً.
وفي رأي ليندا يو، الأستاذة المساعدة في الكلية، إن النتائج ستؤدي أيضاً إلى حالة من التخبط تزامناً مع دخول المملكة المتحدة في فترة طويلة من المفاوضات مع الشركاء التجاريين. وقالت: نحن الآن في مواجهة عامين أو أكثر من المجهول، في الوقت الذي تسعى به المملكة المتحدة إلى التفاوض وتحديد موقعها الجديد في الاقتصاد العالمي.
ويعتقد أندرو ليكيرمان، عميد الكلية وأستاذ الممارسة الإدارية في قسم المحاسبة أن التصويت بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بريكسيت لا يجوز أن يعطي انطباعاً إلى العالم بأن بريطانيا قد انكفأت وانغلقت على نفسها. وقال: شخصياً، أشعر بالقلق بشأن الآثار المترتبة على قرار المملكة المتحدة.
وقال تقرير نشره بنك الإمارات دبي الوطني إن تصويت المملكة المتحدة على الخروج من الاتحاد الأوروبي يجب أن يكون بمثابة حافز للإصلاح والتغيير. واعتبر غاري دوغان الرئيس الأول للاستثمارات في البنك إن ذلك يجب أن يكون بمثابة صيحة صحوة للنخبة السياسية لتغيير علاقاتها وارتباطها بالقاعدة الجماهيرية. وإذا لم تستوعب العبرة وتستفد من الدروس فإن الاحتجاجات ستكون لها آثار مدمرة ونتائج وخيمة على الاقتصاد العالمي والاستقرار السياسي في الغرب.
وأضاف أن نتيجة التصويت على الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي ما هي إلا انعكاس للتململ المتزايد في العالم الغربي من المؤسسات السياسية القائمة. وأشار إلى أن جزءاً من المشكلة هو أن المؤسسات العالمية أسست لأسباب أقل منطقية أو منفعة. ورغم أن كثيرين في أوروبا قد ينكرونه، إلا أن الاتحاد الأوروبي أوجد لضمان عدم قيام حرب عالمية ثالثة من خلال امتصاص قوة ألمانيا.

التداعيات على حياة البريطانيين
لقد كانت غرينلاند الدولة الوحيدة التي انسحبت من الاتحاد الأوروبي أو من السوق الأوروبية المشتركة كما كانت تُعرف عام 1985. وقد حقق سكان غرينلاند، بمن فيهم الاسكيمو، نجاحاً بخروجهم من الاتحاد، إلا أن صادراتهم الوحيدة هي الأسماك. ولذلك، سألت الBBC: هل يتوقع البريطانيون مكاسب مماثلة، أم ستتعرض مدخراتهم للتجمد الشديد؟
فقيمة الجنيه الاسترليني هي أهم الأدوات الاقتصادية في التنبؤ بالمستقبل المالي في بريطانيا. وقد انخفضت قيمته بشدة عندما تبين أن بريطانيا في طريقها للانسحاب من الاتحاد، وخسر في أحد الأوقات نحو 10 في المائة من قيمته، ووصل إلى أقل مستوى له منذ 31 عاماً. ومن المتوقع أن يبقى منخفضاً على المدى المتوسط.
ويعني ذلك زيادة تكلفة شراء السلع والخدمات من الخارج وزيادة التضخم. وستصبح السلع البريطانية التي تُباع للدول الأخرى أقل سعراً للمشترين. ولمواجهة مشكلة التضخم، فقد يلجأ بنك انكلترا إلى زيادة سعر الفائدة على الجنيه. ومن شأن ذلك زيادة تكلفة قروض الإسكان والقروض عموماً. وتتوقع وزارة الخزانة زيادة كلفة القروض بما يتراوح بين ٠.٧ في المئة إلى ١.١ في المئة، إضافة إلى التكلفة الحالية.
وقال رئيس الوزراء كاميرون خلال حملته للتصويت بالبقاء داخل أوروبا إن كلفة قرض الإسكان قد تزداد بما يساوي 1000 جنيه في العام. ومع زيادة كلفة قروض الإسكان لملاّك العقارات فمن المتوقع أيضاً زيادة قيمة الإيجارات. ولكن في المقابل، فإذا تعرض الاقتصاد البريطاني لهزات عنيفة، فقد يقرر بنك انكلترا خفض سعر الفائدة على الجنيه، وهو ما يعني، في تلك الحالة، انخفاض كلفة الاقتراض، أو قد يقرر البنك الابقاء على المستوى الحالي لسعر الفائدة.

تراجع العقار
وتتضارب آراء المراقبين بشأن حجم الانخفاض في أسعار العقارات البريطانية بعد الاستفتاء. فقد حذر صندوق النقد الدولي من أن انسحاب بريطانيا من الاتحاد يمكن أن يؤدي إلى انخفاض حاد في أسعار العقارات. وكان ذلك قائماً على التوقع بارتفاع سعر الفائدة.
أما وزارة الخزانة فقالت إن أسعار العقارات قد تنخفض بنسبة تتراوح بين 10 و18% مقارنة بما كانت الأسعار ستصل إليه خلال العامين التاليين. وقد يكون ذلك خبراً ساراً للراغبين في الشراء لكنه ليس كذلك لملاك العقارات الحاليين.
ويعتقد الاتحاد الوطني للوسطاء العقاريين أن أسعار العقارات في لندن يمكن أن تشهد تغيّراً كبيراً، وأن تفقد في المتوسط نحو 7500 جنيه خلال الأعوام الثلاثة المقبلة، مقارنة بما كانت ستصل إليه. ومن المتوقع أن يكون الانخفاض أقل في مناطق أخرى تصل إلى 2300 جنيه.

الأجور والبطالة
وتشير توقعات إلى احتمال انخفاض اجمالي الأجور في بريطانيا بعد الخروج من الاتحاد الاوروبي وأن تؤدي الصدمة الاقتصادية للخروج من الاتحاد الأوروبي إلى زيادة عدد العاطلين عن العمل في بريطانيا.
وتقدر وزارة الخزانة انخفاض إجمالي الأجور نسبة تتراوح بين ٢.٨ في المئة و4 في المئة عندما تصل إلى حدها الأقصى، أي سيكون معدل انخفاض دخل الشخص العادي نحو 780 جنيها في العام.
لكن من المهم هنا ألا نغفل أن بريطانيا ستبقى عضواً في الاتحاد الأوروبي لمدة عامين على الأقل، وعادة ما يكون التنبؤ بالأداء الاقتصادي لمدة عامين – حتى في الظروف العادية – أمراً محفوفاً بالصعوبات.

الضمانات الاجتماعية
وبناء على انخفاض النمو الاقتصادي بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي – على المدى القصير على الأقل – فإن قدرة الدولة على تقديم مساعدات مالية ستتراجع. وتشير تقديرات إلى انخفاض محتمل بمعدل يتراوح بين 28 مليار جنيه و22 مليار جنيه في عام 2019 – 2020. ونظراً إلى أن ميزانية الرعاية الاجتماعية تصل إلى نحو 28 في المئة من الإنفاق الحكومي، فمن المنطقي أن نتوقع قدراً معتبراً من التخفيضات، وتراجعاً أكبر في الانفاق الحكومي على الإعفاءات الضريبية ومساعدات الضمان الاجتماعي. ويشير تقرير للمعهد الوطني للأبحاث الاجتماعية والاقتصادية إلى أن بعض الأسر قد تفقد ما يعادل 2771 جنيهاً في العام.
وفي الواقع فإن النمو الاقتصادي – والانخفاض المتوقع في الميزانية – سوف يتوقف إلى حد كبير على طبيعة الاتفاقات التجارية، وما إذا أصبحت المملكة المتحدة عضواً في منطقة التجارة الأوروبية.
وربما تقرر الحكومة عدم الالتزام بتعهدها السابق بشأن اصلاح الميزانية بشكل نهائي عام 2020، وهو ما يعرف باسم التفويض الاقتصادي. وسيوفر ذلك للحكومة مخرجاً للحفاظ على المساعدات الاجتماعية عند مستواها الحالي.

زيادة الضرائب
وقال وزير الخزانة جورج أسبورن إن الضرائب قد تزداد إذا خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وأضاف: لكن هذا أمر قد يكون من الصعب تحقيقه سياسياً، إذ سيتناقض مع تعهد حكومة حزب المحافظين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة على الأقل.
ويعتقد كثيرون أن الحكومة سوف تمدد فترة التقشف لتتجاوز عام 2020. ويقول معهد الدراسات المالية إنه قد تكون هناك حاجة لخفض الإنفاق لعامين آخرين. وخلال حملة الاستفتاء، قال الداعون للخروج من الاتحاد إنهم يريدون التخلص من ضريبة القيمة المضافة المفروضة على وقود المنازل التي يفرضها الاتحاد الأوروبي، ولكن ليس من الواضح كيف ومتى يمكن تنفيذ ذلك.

الاستثمار والمدخرات
وسيمثل أي ارتفاع في سعر الفائدة خبراً سعيداً لأصحاب المدخرات المصرفية. ولكن وزير الخزانة البريطاني قال، خلال الحملة التي سبقت التصويت، إن الأسهم البريطانية ستصبح أقل جاذبية للمستثمرين إذا خرجت بريطانيا من السوق الأوروبية، وستنخفض بالتالي قيمتها. وليس هذا أمراً مؤكداً على المدى الطويل، فالأسهم ترتفع عادة مع تحقيق الشركات للمكاسب. وقد يستفيد كبار المصدرين من انخفاض سعر الجنيه وبالتالي تزداد أرباحهم وقيمة أسهمهم، بينما قد تتقلص فوائد المستوردين.
وقال المنتدى الاقتصادي هارغريفز لانزداون إن من المستحيل معرفة العواقب الاقتصادية بعيدة المدى للخروج من الاتحاد الأوروبي.

خسائر استثمارية عربية
ووفقاً للخبير الاقتصادي الدكتور ناصر السعيدي إن الاستثمارات الخليجية في بريطانيا ستتراجع خلال المرحلة المقبلة بشدة، جراء مرحلة عدم اليقين، وانعدام الرؤية في ما يتعلق بالسياسات الاقتصادية، ما سيؤثر في العائد على الاستثمار، لا سيما أن معظم شركات التقويم العالمية بدأت بالفعل خفض تقويمها لبريطانيا. ورجح تراجع معدل تدفق الاستثمارات الخليجية إلى بريطانيا ما بين 20 و30 في المئة، وأن يعيد المستثمرون النظر في استثماراتهم الموجودة في الأسهم والسندات. وقال إن لخروج بريطانيا من الاتحاد تبعات سلبية على اقتصاد بريطانيا، إذ إن 45 في المئة من صادراتها موجهة إلى أوروبا، وخروجها سيضطرها إلى إعادة التفاوض على أكثر من 60 اتفاقاً تجارياً مع دول العالم، بما فيها دول الاتحاد، إضافة إلى الانعكاس السلبي على الجنيه الإسترليني.
وفي اليوم الأول بعد الاستفتاء، سجّلَ الجنَيه البريطاني انخفاضاً تاريخياً وصَل الى نسبة عشرة في المئة، كذلك اهتزّ سعر العملة الاوروبية الموحّدة، واستفاد الذهب كملاذٍ آمن للمستثمرين لكي يسجّل ارتفاعاً ملحوظاً.

… وماذا عن لبنان؟
وأجمعَ الخبراء على وجود تداعيات محدودة للحدث البريطاني على الوضع اللبناني. فلبنان مرتبط بالسوق العالمية وتذبذب أسعار الذهب والنفط والدولار. وبالتالي، واستناداً إلى ما جرى، يمكن القول إنّ قيمة احتياطي الذهب الموجود في مصرف لبنان ارتفعت، كذلك ارتفعَت مخاطر تراجُع التحويلات من دول الخليج وبريطانيا، بسبب هبوط أسعار النفط والجنَيه. والخطر الأكبر يكمن في كون خروج بريطانيا مقدّمةً لانسحابات أخرى تؤدّي لاحقاً إلى انهيار الاتحاد الأوروبي بالكامل.
وقال رئيس مجلس النواب نبيه برّي إنّ الاستفتاء البريطاني على الخروج من الاتحاد الاوروبي حدثٌ شديد الاهمّية في أبعاده ودلالاته، وبالتأكيد ستكون له تداعيات وارتدادات.
وردّاً على سؤال عن المستفيد من هذا الموضوع، أعربَ برّي عن اعتقاده بأنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يكون في طليعة المستفيدين. وعندما سئل عمّا إذا كانت للقرار البريطاني تأثيرات على ملفات المنطقة. قال برّي: فلننتظِر بعض الوقت وإلى أين ستذهب الأمور، وبالتالي كلّ الأمور تخبِر عن نفسها عندما تحصل.
وطمأن السفير البريطاني في لبنان هيوغو شورتر لبنان واللبنانيين إلى أنّ علاقاتنا الممتازة سواءٌ على صعيد التجارة التعليم والأمن لن تتغيَّر، مُضيفاً: سنَبقى أصدقاء مثلما نحن منذ فترة طويلة، وسنواصل العملَ من أجل استقرار لبنان وازدهاره. وستظلّ المملكة المتحدة خامسَ أكبر اقتصاد في العالم، وهي عضو دائم في مجلس الأمن الدولي وفي مجموعتَي G7 وG20 وحلف شمال الأطلسي، وسنبقى العضوَ الوحيد من بين تلك الفئات الذي يُنفِق 2 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي على الدفاع و0.7 في المئة على المساعدات في مجال التنمية.

3 خصائص بريطانية
ويرى أستاذ القانون الدولي الدكتور شفيق المصري أنّ تداعيات الحدث أوروبيّة، سياسية واقتصادية، وكذلك عالمية بالنسبة إلى مستقبل الاتحاد الأوروبي. فالتداعيات السياسية تتمثّل في أنّه كان هناك نوعٌ من أمل أوروبي باعتبار أوروبا أوروبّية كاملة، والآن بات هناك احتمال في أن تُفكّر بعض الدول، ونتيجة استفتاء أيضاً، بأن تعيد النظر في الاتحاد.
وردّاً على سؤالٍ قال: الفارق هو ٥١.٩% في مقابل ٤٨.١%، والانفصال حصَل بهذه الاكثرية، لكنّ الأكثرية الضئيلة تُمكّن كاميرون من إبقاء بعض خيوط التواصل مع الاتحاد.
وأعربَ عن اعتقاده في أنّ التخوّفَ البريطاني التقليدي الذي دفعَ هذه النسبة لعدم البقاء في الاتحاد سببُه الأساس التخوّفُ من الإرهاب وتسَلّلُ بعض اللاجئين أو الذين يدخلون بريطانيا وغيرها من الدول الاوروبية بشكل غير قانوني، وهذا تخوُّف مباشر.
أمّا التخوّف غير المباشر، فيتمثّل في أنّ بريطانيا سبقَ لها أن دفعَت ثمناً مع دوَل الكومنولث التي أعطَت بريطانيا بموجبها تسهيلات كثيرة في البداية للذين يأتون إليها من هذه الدول، ما شكّلَ عبئاً كبيراً عليها، الأمر الذي اضطرّها بعد حين، ولكنْ بعد فوات الأوان إلى تنظيم دخول غيرِ بريطانيين إليها، وهي حفظَت الدرس ولا تريد أن تغرق في المحاذير مجدّداً.
ويشير المصري إلى أنّ الانفصال البريطاني عن الاتّحاد قد يؤثّر على البلاد سلباً بالنسبة إلى الجنَيه الاسترليني، ولكنّه يُحرّرها من جهة أخرى في التواصل مع بقية الدول الأخرى، وربّما يقرّبها أكثر من الولايات المتحدة. وتبقى هناك أسباب أخرى، فبريطانيا كانت حريصة منذ البدء على الاحتفاظ بثلاث خصائص أساسية، منها البرلمانية البريطانية، فهي لا تقبل بأن يسموَ عليها أيّ تشريع آخر، أوروبّي أم غير أوروبي.
ومنها قوانين العمل، بحيث كانت بريطانيا ولا تزال تخشى من اندماج هذه القوانين مع القوانين الأكثر تسامحاً، بالنسبة لدخول الاجانب، كما أنّ بريطانيا تصرّ على الاسترليني عملةً قوية ليس فقط من أجل تاريخها الماضي كأمبراطورية إنّما من أجل إبقائه مستقرّاً.

مصارف لبنان لن تتأثر
وقال السفير اللبناني السابق في واشنطن الدكتور رياض طبارة إنّ المرحلة ستكون مرحلة إعادة ترتيبات داخلية في أوروبا لكنْ في النهاية اوروبا ستتجاوَز ما حصَل بعد مدة، فسويسرا والنروج خارج الاتحاد وأمورُهما تسير وعملتُهما جيّدة . لذلك، إن الذعر الحاصل مبالَغ فيه، فما يحدث هو مسألة مرحلية. وأكّد طبارة أنّ القطاع المصرفي في لبنان لن يتأثّر بما حدث كما لم يتأثّر عند وقوع الأزمة المالية الاميركية والاوروبية، لأنّ نظامه المصرفي مستقلّ إلى حدّ كبير عن التطوّرات التي تحصل في الخارج. لذلك لن تكون هناك تداعيات كبيرة على الاقتصاد اللبناني أو على النظام المصرفي اللبناني.
أمّا سياسياً فهناك خضّة في العالم وسيَنشغل الجميع عنّا. فأوروبا ستنشغل بنفسها، وأميركا ستنشغل بأوروبا، لذلك التأثير يتمثّل بانكفاء الاهتمام الدولي عن ملفّ لبنان.
وقال النائب مروان حمادة إن الخيار الذي اتّخَذه الشعب البريطاني يدلّ أوّلاً على حالة الانقسام والاضطراب الكبيرين اللذين يجتاحان اليوم الرأيَ العام في مختلف دول العالم.
أضاف: بريطانيا أعطت عيِّنة عن أزمة عالمية عميقة، اقتصادية وسياسية واجتماعية ونفسية، ولو أسفَ الشعب البريطاني بعد حين على ما قرّره بالأمس، إلا أنّ أشياء كثيرة ستتغيّر، وأوروبا طبعاً لن تكون غداً ما كانت عليه قبل بريكست… وكذلك العالم.
وقال منسّق الأمانة العامة لقوى 14 آذار النائب السابق الدكتور فارس سعَيد: لا بدّ أن نقول إنّ العالم يتغيّر. فقد شهدنا على انهيار الاتحاد السوفياتي وعلى بداية الربيع العربي وعلى بداية الأعطاب التي تبرز في الاتّحاد الاوروبي.
ولا شكّ في أنّ ما جرى في بريطانيا اليوم هو خطوة باتّجاه منحى جديد يأخذه العالم بالاعتبار، بأنّ على كلّ بلد أن يضعَ أولوياته بمعزل عن الآخر. هذا مؤسف، وهذا ينذر بأنّنا دخلنا في مرحلة جديدة وعلينا أن نتنبّه جميعاً، وخصوصاً في لبنان، حتى لا تنعكس هذه الأحداث وتضيف على تعقيداتنا تعقيداً إضافياً.

كادر
المتحمسون للانفصال
من هم السياسيون البريطانيون المتحمسون للانفصال؟
جاء تصويت البريطانيين للانفصال عن الاتحاد الأوروبي نتيجة دينامية سياسية داخلية اعتمدت خصوصاً، وفق موقع الحرة على ثلاثة سياسيين قادوا الرأي العام البريطاني، وهم:

نايجل فاراج:
هو من الأعضاء المؤسسين لحزب استقلال بريطانيا اليميني بعد تركه حزب المحافظين عام 1992. وبدأ يبرز عند فوزه بانتخابات البرلمان الأوروبي عام 2014، في انتصار يعد الأول من نوعه على حزبي العمال والمحافظين. وأبدى فاراج معارضته لمبدأ الاقتصاد الأوروبي. معللاً رفضه بأن سياسة مقاس واحد يناسب الكل لا تتوافق مع الحالة الاقتصادية لكل دولة، مستشهداً بالفروق الاقتصادية بين ألمانيا واليونان.
أما موقفه من الهجرة فكان واضحاً، لقد كان معارضاً لانتقال المهاجرين من أوروبا الشرقية والشرق الأوسط، حيث عبر عن قلقه من قبول القادمين من أوروبا الشرقية بدون وجود عمليات فحص أمنية، وأيضاً عارض انتقال المسلمين من الشرق الأوسط إلى المملكة المتحدة لوجود دول قريبة منهم يستطيعون اللجوء إليها.
وكان أول ما صرّح به نايجل فاراج بعد ظهور نتيجة الاستفتاء، هو أن التصويت انتصار للأشخاص الحقيقيين. وأضاف لقد انتصرنا في حربنا على الشركات العالمية، وعلى الطمع، والفساد. واعتبر فاراج أن يوم 23 حزيران/يونيو هو عيد استقلال للمملكة المتحدة.

بوريس جونسون:
أصبح بوريس جونسون عمدة للندن عام 2008، وعلى الرغم من انتهاء فترة ولايته الثانية هذا العام، إلا أنه كان رمزاً سياسياً مؤثراً في عملية الاستفتاء. ويعد جونسون من السياسيين الأوفر حظا لخلافة كاميرون، الذي أعلن استقالته إثر نتائج الاستفتاء. وقد صرّح جونسون أنه يؤمن أن هذا القرار كان صحيحاً ولا مفرّ منه، وأنه لم تكن هناك طريقة أفضل من وضع الاختيار بيد الشعب البريطاني.
وقد دعا جونسون عبر تويتر إلى التصويت بالخروج، مؤكداً على صحة هذا القرار للملكة المتحدة. وأما بالنسبة لتداعيات نتيجة الاستفتاء على المملكة المتحدة وأوروبا، فقد أعلن جونسون أن تفعيل نتائج الاستفتاء سيأخذ بعض الوقت.
وقد نفى عمدة لندن السابق أن المملكة المتحدة قد أدارت ظهرها للقارة، مؤكداً أن بريطانيا جزء من أوروبا، وقال: سيستمتع أطفالنا وأحفاد أطفالنا بمستقبل مشرق كأوروبيين: سيسافرون إلى القارة بحرية وسيتعرفون على الثقافات التي تكون حضارتنا الأوروبية المشتركة.

مايكل غوف:
ينتمي مايكل غوف إلى حزب المحافظين، وقد أصبح قاضي قضاة المملكة المتحدة، وهو ثاني مناصب وزراء الدولة البريطانية أهمية. وكان من الداعين للخروج من الاتحاد الأوروبي، وعلى رغم وصفه أن هذا القرار يعد من أكثر القرارات السياسية صعوبة في حياته المهنية، فأنه توقع أن تكون المملكة المتحدة أكثر حرية، وتوازناً، وأنه من الأفضل لها أن تترك الاتحاد الأوروبي.
وعلى صعيد آخر، انتقد سياسيون من حزب العمال غوف إثر تصريحاته حول الخروج، حين وصف المحذرين من الخروج البريطاني بالعلماء النازيين الذين عارضوا العالم ألبرت أينشتين لأنه كان يهودياً. وقد اعتذر غوف لاحقا عن تصريحاته، موضحا أنه لم يستخدم المقارنة المناسبة.
لكنه طالب بالمقابل في تصريحات للتايمز بالوثوق في مؤسسات الدولة وفي النظام الديمقراطي، قائلاً إن نتيجة الاستفتاء لا تعني رغبة بريطانيا بالانعزال عن أوروبا، بل خطوة ايجابية لكي تصبح المملكة المتحدة أكثر فعالية في القارة والعالم.

كادر
مصائب قوم عند قوم فوائد:
استطاع مدير أحد الصناديق الاستثمارية أن يربح 220 مليون جنيه استرليني بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. إنه كريسبن أودي الذي حقق أرباحه، وفق جريدة ديلي ميل، خلال يوم واحد بفضل المراهنات التي نفذها باسمه وباسم المستثمرين الذين يدير أموالهم، فيما بورصة لندن كانت تقع في أكبر الخسائر اليومية في تاريخها، إذ تقلص أكثر من 125 مليار جنيه استرليني من القيمة السوقية للأسهم المدرجة خلال يوم واحد، بعدما هبط مؤشر فوتسي 100 بنسبة ٨%، ومؤشر فوتسي 250 بنسبة ١٢% في بداية التداولات، لكن هذه الخسائر تم تقليصها لاحقاً بعد تطمينات من بنك إنكلترا المركزي.
ووفقاً للصحيفة، نفذ هذا الرجل جملة مضاربات على الجنيه الاسترليني وأسهم الشركات قبيل التصويت بالخروج من الاتحاد الأوروبي، ثم انسحب من السوق مستبقاً الخسائر.