ديسمبر 1, 2020

أنصار الثورة

عين على الحدث

لاريجاني للشورى وجنّتي للخبراء: علائم تصدّع الاتفاق النووي؟

اندرو حبيب

منذ توقيع خطة العمل الشاملة والمشتركة أو ما يسمّى بالاتفاق النووي بين #إيران ودول الـ 5+1، برزت تحليلات عدة تناقش المسألة وتناقش العلاقة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية في إيران، نتج منها سيناريوات مختلفة، وفي بعض الأحيان متناقضة، لما ستكون عليه الأوضاع في الشرق الأوسط مستقبَلًا. السؤال الأهمّ، والذي انطلاقًا من طبيعة الإجابة عنه، بُنيت سيناريواتعدة للقراءة، هو عن وجود أو عدم وجود ملاحق سرية للاتفاق النووي، أي السؤال عمّا إذا كان الاتفاق بشأن المسألة النووية قد تضمّن اتفاقًا حيال تغيير السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية – واستطرادًا سياسة تصدير الثورة ودور الحرس الثوري ومتفرّعاته في المنطقة – أم لم يتضمّن.

تنقسم الآراء التي تقول بوجود ملاحق سرية للاتفاق إلى مجموعتين. واحدة تقول بأن ثمة اتّجاهًا أميركيًا للتعاون مع الإيرانيين في شؤون المنطقة وإعادة الاعتبار للدور الإيراني الذي كان يطمح له الشاه في سبعينيات القرن العشرين بتحويل إيران إلى شرطي الخليج. أما المجموعة الأخرى فتناقض هذا الطرح وتقول بأن هناك اتفاقًا ضمنيًا مع مجموعات «معتدلة» من داخل النظام الإيراني على ضرب المتشددين وعلى رأسهم الحرس الثوري وتطويقهم واستنزافهم وصولًا إلى إنهاء دورهم في الداخل الإيراني وتالياً في الإقليم، تحضيرًا لإيران أكثر تعاونًا مع الأميركيين في سياساتهم القادمة في آسيا. تركّز المجموعة الأولى في تحليلها على فريق المستشارين الذي يحيط بأوباما لتدعيم فكرتها، حيث تبيّن أن مسؤولة الملف الإيراني في مجلس الأمن القومي الأميركي، سحر نوروزاده، عملت سابقًا مع ما يقال إنه اللوبي الإيراني في الولايات المتحدة، وهو المجلس الوطني الإيراني -الأميركي الذي يرأسه تريتا بارسي، والذي تكّشفت معطيات عن علاقة عمل تجمعه بوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف. ويضيف هؤلاء أيضًا، أنّ مسؤول ملف الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأميركي، روبرت مالي، كان على علاقة جيّدة بالمقرّبين من إيران وهو الذي عرض على أحد الأساتذة الجامعيين اللبنانيين المقربين جدًا من حزب الله منصب ممثّل «مجموعة الأزمات الدولية» (International Crisis Group) في لبنان، إبّان تولّي «مالي» رئاسة هذه المجموعة الدولية. ولكن نقطة الضعف الأساسية في هذا التحليل هو عدم قدرته على الإجابة عن سؤال: «إذا كانت إدارة أوباما تريد تقوية إيران في المنطقة وإطلاق يدها، لماذا إذًا كانت هذه الإدارة نفسها هي التي أقرت العقوبات الأقسى في تاريخ العقوبات الأميركية على إيران؟»، فالمعلوم أنّه نتيجة فشل الاتفاق الذي سمّي «اتفاق التبادل» (Swap Deal) عامي 2008 و2009، أقرت إدارة أوباما نظام العقوبات المالية والاقتصادية على إيران، ورفدته بقرار عقوبات من مجلس الأمن بموافقة روسية – صينية، أوصلت إيران إلى شفير الانهيار الاقتصادي.

مقابل هذه المجموعة، وفي إطار الآراء التي تقول بوجود ملاحق سرية للاتفاق، تأتي المجموعة الثانية التي تقول بأن هناك اتفاقات سياسية مرافقة للاتفاق النووي مبنية على وجود مصلحة مشتركة بين الأميركيين والمعتدلين الإيرانيين، في ضرب الفئات المتشدّدة وأوّلها الحرس الثوري وسطوته الأمنية والاقتصادية في الداخل الإيراني ومتفرّعاته في الإقليم، وفي إنهاء سياسة تصدير الثورة والتركيز على الازدهار الاقتصادي لإيران، والتحوّل الإيراني تدريجيًا من معاداة الأميركيين إلى التعاون معهم في سياسة أميركا الآسيوية، هذا التحوّل الذي يترافق تلقائيًا مع انتقال إيران من دولة «مارقة» داعمة للإرهاب والعصابات إلى دولة طبيعية تحترم القوانين الدولية. ينطلق هؤلاء من التحليل الذي يقول بأن البرنامج النووي الإيراني قد أُعطب إلى حدّ كبير ولم يعد بالإمكان بيعه على طاولة المفاوضات. فقد اغتيل أربعة من أهمّ العلماء النوويين العاملين في البرنامج، وضُرب البرنامج الصاروخي المرافق له عبر تدمير موقع «الغدير» وقتل الجنرال في الحرس الثوري المسؤول عنه «حسن مقدّم»، وترافق ذلك مع استعمال الهجمات الإلكترونية وإرسال الفيروسات والدودات الرقمية (Flame وStuxnet) التي أدّت إلى إعطاب أجهزة الطرد المركزي في معملَي «فوردو» و»نتانز»، ولم تنتهِ المسألة بتفجير مصنع «بارشين» العسكري والذي يُشتبه بحصول اختبارات داخله تتعلق بتقنيات تفجير الرؤوس النووية. ولذلك يتساءل هؤلاء «إذا كان البرنامج النووي الإيراني قد أصبح معطوبًا إلى هذه الدرجة، وطالما أن الولايات المتحدة ليست جمعية خيرية، لماذا إذًا تردّ لإيران أموالًا تراوح بين 120 و200 مليار دولار، إذا لم يكن هناك شيء أهم بالمقابل، قيمته من قيمة هذا المال الذي ستسترجعه إيران؟». بالطبع، المقصود هنا هو وجود التزام إيراني بإنهاء سياسة تصدير الثورة وبتقديم رأس الحرس الثوري وملحقاته. أصيبت هذه المجموعة – والتي في تساؤلاتها من المنطق ما يجعلها جديرة بالمراقبة – بخيبة أمل حين انتُخب آية الله أحمد جنّتي لرئاسة مجلس الخبراء وعلي لاريجاني لرئاسة مجلس الشورى على الرغم من ترشيح الأخير للعدد الأكبر من «جماعته» على لائحة «الأمل»، وهي لائحة المعتدلين أو الإصلاحيين التي دعمت محمد رضا عارف لرئاسة المجلس، وفي هذا دليل على فشل الفريق «المعتدل» في ترجمة الاتفاق مع الأميركيين على أرض الواقع.

أما المقاربة الأخيرة، والتي وإن كانت تختلف عن المقاربتين أعلاه من ناحية قولها بأن لا ملاحق سرية للاتفاق النووي، إلا أنها تقترب من المقاربة الثانية من ناحية الأهداف المتعلّقة بسياسة إيران الخارجية في الشرق الأوسط، وهي الأكثر تطابقًا مع الوقائع ومع الطريقة العلمية التي لا يمكنها التكهّن بشأن وجود ملاحق ولا يمكنها الاتّكال سوى على المعلومات المنشورة إزاء أي اتفاق. يقول أصحاب هذه المقاربة إن الهدف الأساس من الاتفاق النووي كان استعادة السيطرة – من ناحية الرقابة والضبط الدوليين – على ما تبقى من البرنامج النووي الإيراني وتأخير مساراته الأخطر، أي درجات التخصيب العالي لليورانيوم، وإنتاج البلوتونيوم (الذي يمكن استخدامه لصناعة قنبلة نووية) في معمل «أراك» للماء الثقيلة، مع الاستمرار بالسياسة الأميركية المتشددة تجاه الحرس الثوري وملحقاته بغضّ النظر عن السياسة الإيرانية. وأهمّ علائم التشدد الأميركي هي الإبقاء على العقوبات الموجودة سابقًا بحقّ الحرس الثوري وزيادة العقوبات على حزب الله (وآخرها العقوبات المصرفية). في مقابل ذلك، تحصل إيران تدريجيًا على مجموع الأموال المجمّدة في السوق العالمية، وتدخل تدريجيًا أيضًا إلى هذه السوق، مع علمها – المرفق بتجربة واقعية هذه الفترة – بأن دون هذا الدخول مصاعب جمّة أوّلها وجود تردد أوروبي في الانفتاح المصرفي على إيران في وقت لا تزال الولايات المتحدة تطبق عقوبات (غير متعلّقة بالبرنامج النووي) بحق هذه الدولة. بهذا، تكون إيران مجبرة على مراعاة شروط الأميركيين بما خص مسائل الإرهاب والحرس الثوري إذا أرادت الدخول الكامل والسريع إلى السوق الدولية، وتكون مجبرة بالتالي على تغيير سياساتها الخارجية ولا بدّ أن يبدأ ذلك بتغيير في الداخل الإيراني.

ومن هنا يمكن التساؤل: «ماذا يعني انتخاب لاريجاني لرئاسة مجلس الشورى، وجنّتي لرئاسة مجلس الخبراء بالنسبة إلى هذه القراءة؟ وإلى أي مدى تستطيع الجمهورية الإسلامية الاستمرار بسياسات التحدي؟ وهل تستطيع المصارف الإيرانية فك عزلتها من دون رضا أميركي يكون نتيجة تطبيق إيراني للقوانين الأميركية بحق الحرس الثوري وحزب الله»؟