أبريل 10, 2021

أنصار الثورة

عين على الحدث

أيهما أولاً: بيضة الانتخابات الرئاسية أم الانتخابات النيابية؟ الصراع على قانون الانتخاب هل يبقي ال06 أم هناك تمديدٌ ثالث؟

ثمة مفاجآت سياسية وقعت في الانتخابات البلدية الأخيرة دعت الجميع إلى المراجعة. لكن الخبراء الذين تعمقوا في ما جرى يقولون: الذين فوجئوا بالفوز هنا والذين فوجئوا بالخسارة هناك جميعاً سيكونون أمام إعادة خلط أوراق وأدوار في أية جولة انتخابات مقبلة. فالرابح اليوم قد يكون منهزماً غداً، والعكس صحيح. ولكن المؤكد هو أن ما كان قبل الانتخابات البلدية من معادلات وتحالفات ووقائع سيتبدل في المرحلة المقبلة.

يقول الخبراء: في الجولة المقبلة، ستقع مفاجآت أكبر. والكل بات في هذا الجو. وأمام الطبقة السياسية أن تدافع عن نفسها بإحدى طريقتين: إما بالتمديد للمجلس النيابي مجدداً، وإما بالتمسك بقانون العام 1960 الذي يعيد إنتاج الطبقة إياها من دون أضرار كبيرة.

ولكن، هل تمتلك هذه الطبقة قرارها أم إن هناك قوى خارجية فاعلة تدعم إعادة خلط الأوراق وخلق وقائع ومعادلات سياسية جديدة في لبنان، ليكون جزءاً من شرقٍ أوسطٍ يتغيَّر بكامله؟

أول صدمة حقيقية شهدتها الانتخابات البلدية لم تكن في أن نتائج بعضها جاء مخالفاً لكل التوقعات، في كل المناطق، بل كانت في أن القوى السياسية قررت بشكل مفاجئ،

خارج السياق التأجيلي السائد، أن تجري الانتخابات البلدية في موعدها، على رغم إعلان العديد من هذه القوى نفسها، صراحةً، عن رغبتها في التأجيل والتمديد، كما هو واقع الحال في الانتخابات الرئاسية والنيابية.

قبل الانتخابات البلدية بأسابيع، أبلغت قوى سياسية أساسية الرئيس نبيه بري برغبة في التأجيل. وفي المجالس الخاصة، جزم بعض المعنيين بأن لا انتخابات بلدية في موعدها، لأن الرافضين لها كثيرون وأقوياء. لكن الجميع فوجئ بأن تحضيرات الوزير نهاد المشنوق لم تكن مزحة. وهذا ما وتَّر الأجواء بينه وبين النائب وليد جنبلاط.

البعض يقول: صدَر أمر عمليات خارجي للقوى المحلية بالانصياع لقرار تجديد السلطات المحلية، ففعلت. وهذا يعني أن البلد ممسوك تماماً، وأن اتجاه التطورات فيه مضبوط. وهذا الأمر يدعو إلى الاطمئنان أحياناً، لكنه يدعو إلى القلق أيضاً.

فالانصياع للخارج قد يدفع الطبقة السياسية إلى الانضباط والتزام المواعيد الديمقراطية. لكن هذا الانصياع قد يكون السبب في تفجير البلد عندما تكون مصلحة القوى الخارجية استخدام لبنان ساحة للتفجير. وهذا ما يحصل غالباً.

إنتهت الانتخابات وأفرزت وقائع مخالفة للتوقعات في معظم البيئات الطوائفية والمناطق. وإذا كان الجميع يتعاطى مع الانتخابات البلدية باعتبارها بروفا للانتخابات النيابية، فأي استنتاجات خرجت بها الجولات البلدية الثلاث الأولى داخل البيئة المسيحية، سواء على مستوى الأحزاب والقوى السياسية والعائلية أو على مستوى الرأي العام؟

الجميع يراجع الحسابات

الأرجح أن الجميع يستثمر فرصة إجراء الانتخابات البلدية لرسم الاستراتيجيات الجديدة. ولكن، ثبت أن معركة الانتخابات البلدية ليست بارومتراً لقياس شعبية الأحزاب، وأن الانتخابات النيابية أفضل لهذه الغاية. ويجدر التوقف للمرّة الأولى عند نسبة من الناخبين الشيعة تقارب ال٤٠% أو أقل قليلاً في بعلبك- الهرمل والجنوب، أرادت التغريد خارج سرب الثنائي أمل وحزب الله. وهذه النسبة أيضاً لم تعلن بالضرورة خياراً رافضاً لخطّ أمل وحزب الله السياسي. لكن التنوُّع يبدأ أولاً بخلق أطر جديدة في الشكل، ثم تأخذ هذه الأطر بإحداث التغيير في المضمون.

وأما لدى السنّة، فالتعمق في الانتخابات التي جرت في طرابلس يؤكد أنها حملت تنوعاً، لكنها حفظت موقع الرئيس سعد الحريري وتيار المستقبل.

عون وجعجع

أما في الوسط المسيحي، وفي معزل عن الخلاف في احتساب النِسب: لِمَنْ ال٦٠% ولمن ال٤٠%، وكم تمثِّل الأحزاب وكم العائلات، الواضح أن الناخب المسيحي المتنوِّع أساساً يتمسّك بتنوُّعه. وهذا لا ينفي أن قسماً كبيراً من الناخبين الذين صوّتوا في البلديات ضد التيار الوطني الحر أو القوات اللبنانية ينتمون سياسياً إلى أحد هذين الخطين. وكذلك، لدى الشيعة والسنّة والدروز أفرزت الانتخابات تنوعاً واضحاً.

1 – في بيروت، أظهرت الانتخابات أن القوات كانت أكثر تماسكاً حزبياً، فيما شهد التيار شبه انتفاضة في الأشرفية. وتعاطت القوى الحزبية والمحلية الأخرى مع العملية واقعياً.

2 – في تنورين والقبيات فازت القوى المحلية الوزير بطرس حرب والنائب هادي حبيش على تحالف الحزبين المسيحيين.

3 – في زحلة، تحالفت الأحزاب ضد لائحتي سكاف وفتوش وانتصرت عليهما. وربما كانت المعركة اختلفت نتائجها لو كانت اللائحتان موحدتين 10500 صوت للأحزاب مقابل 15800 للائحتين معاً.

لكن توحيد اللائحتين صعب جداً على أرض الواقع بسبب صراع سكاف- فتوش على زعامة زحلة الكاثوليكية. واستطاع عون تسجيل هدف مهم بخرقه أسوار زحلة.

4- في جونية، خرج عون من المعركة البلدية منتصراً، مع جوان حبيش، ولكن من خروم الشبك. فالفارق بين لائحته واللائحة المقابلة دون ال١%. وقد اضطر عون إلى تسييس المعركة واستنفار الأنصار بحضوره شخصياً، فيما أدّت مرونة جعجع هناك إلى مستوى أدنى من التجييش والعصبية. ولو حصل الاستنفار القواتي لربما فازت اللائحة المقابلة.

5- في دير القمر، أفاد عون من تحالفه مع القوات ليدكّ أسوار خصمه الشخصي دوري شمعون. لكن عون بقي مستأثراً بمعاقله، كالحدت مثلاً.

6 – في المتن، خسر عون وجعجع مجتمعين هنا أو ربحا هناك، وخسر أحدهما في مواجهة الآخر والقوى السياسية الأخرى في المتن. لكن تجدر الإشارة إلى كوادر عون ومناصريه كانوا في مواقع متقابلة في العديد من المعارك.

7 – في جزين، اضطرب أيضاً مناصرو عون على رغم أنه أعطى المعركة طابعها السياسي. وأدت البلبلة بلدياً إلى خسارة رئيس اللائحة خليل حرفوش.

وفي المحصلة، أظهرت القوات اللبنانية أنها الأكثر انسجاماً تنظيمياً، إذ لم تقع معارك بين الرفاق، فيما أنصار عون توزعوا اللوائح المتقابلة أحياناً أو خردقوا اللائحة المدعومة رسمياً. وتصرفت الكتائب واقعياً، وبمقدار ما تسمح به الأحجام. وأما القوى السياسية المناطقية والعائلية فأظهرت الصناديق أنها ما زالت تحتفظ بحضور وازن.

تاريخ التنوّع

قبل الحرب الأهلية في العام 1975، كانت الزعامات في لبنان أكثر تنوعاً. فالسنّة كانت زعاماتهم عائلية في بيروت وطرابلس وصيدا وعكار. والشيعة لم تكن لهم ثنائية حزبية شاملة بل بيوتات عائلية في البقاع والجنوب. وكانت ثنائية الدروز، الجنبلاطية – الإرسلانية بديلاً لما هو اليوم شبه أحادية. وأما المسيحيون فكانوا شديدي التنوّع حزبياً وعائلياً. لكن الأحزاب المسيحية الأساسية، الكتائب والوطنيين الأحرار والكتلة الوطنية، تحوّل بعضها بفعل مقتضيات الحرب جيوشاً شبه نظامية. والقوات اللبنانية التي نشأت في بيت الكتائب عمدت إلى توحيد البندقية المسيحية.

وعندما ظهر العماد ميشال عون، بنى شعبيته من مجمل الأرضية المسيحية المتنوعة حزبياً وعائلياً. والفكرة التي بنى عليها عون صورته هي أنه يمثّل الدولة في وجه الميليشيا. ولذلك، استطاع أن يجذب كل الذين كان لهم مأخذ أو ثأر، في يومٍ ما، على القوى الحزبية والميليشيوية المسيحية خلال الحرب.

وعندما انتهت الحرب، تحوّل الجميع أحزاباً. فتعايشت الأحزاب القديمة، على حجم تمثيلها الكتائب والأحرار والكتلة…، مع الحزبين الجديدين نسبياً، القوات والتيار. وفي مطلع العام الجاري، خلق تحالف معراب معادلة جديدة. وبات أمام هذا التحالف استحقاقان: إما أن يفتح الباب للمصالحة الشاملة مسيحياً، وإما أن يطلق حرب إلغاء ثنائية ضد القوى الحزبية والمناطقية.

فالقوى الحزبية كافة تقرأ اليوم ما خرجت به المعركة البلدية من استنتاجات، سواء في طريقة التعاطي داخل كل حزب، أو بين الأحزاب والقوى العائلية والمناطقية، علماً أن التركيبة السياسية والاجتماعية والطائفية اللبنانية تشير إلى أن غالبية الأحزاب في لبنان هي نفسها عائلات، والعكس صحيح.

والأحزاب التي لم تنشأ على أساس عائلي في لبنان، قبل حرب العام 1982، هي إجمالاً تلك التي قامت على أسس عقائدية أو شبه عقائدية. ومن أبرز أمثلتها الحزب السوري القومي الاجتماعي والحزب الشيوعي وحزب البعث العربي الاشتراكي ومنظمات عديدة نشأت عموماً في الستينات والسبعينات من القرن الفائت، تحت تأثير الصراع مع إسرائيل.

وهذه القوى الحزبية تمتلك اليوم قدرات محدودة نسبياً، وبعضها زال نهائياً. وبعد الحرب، نشأ حزب الله 1982. ومسيحياً، كانت انطلاقة كل من القوات والتيار محاولة للانتفاض على المفهوم القديم.

الأحزاب والهيكلية

ولكن، في لبنان، لكي تكون الأحزاب أحزاباً فعلاً، يفترض أن تكون مبنية على هيكلية مؤسساتية حقيقية، يجري فيها تداول المسؤوليات بديمقراطية كاملة، وتكون خاضعة للمراقبة والشفافية، وتجري محاسبة المسؤولين فيها وتغييرهم إذا أرادت القاعدة. وأحزاب لبنان كافة ما زالت بعيدة من هذا المفهوم.

وأما الاستنتاجات المسيحية من الجولات الثلاث الأولى من الانتخابات البلدية فهي الآتية:

1 – هناك حالة عامة من القنوط يعيشها اللبنانيون عموماً، وقد عبّر عنها المسيحيون في شكل واضح أو خجول. وهذا ما شهدته الحالة الشيعية أيضاً، بأشكال ونِسب مختلفة في بعلبك والجنوب.

2 – إن القوى الحزبية لها مكانها، وكذلك القوى السياسية والعائلية المناطقية، وهي كلها عبرت عن نفسها في الصناديق. وهذا يعني أن الأحزاب مدعوة إلى عقد تفاهمات شاملة واقعية في الاستحقاق النيابي المقبل.

3 – أظهر بعض القوى الحزبية حاجة إلى ترتيب البيت الداخلي، فيما بدت قوى أخرى أكثر انضباطاً. وعندما تدور المعارك في دوائر صغيرة نسبياً لا يعود مسموحاً ترك ثغرات من هذا النوع داخل الخيارات الحزبية لأنها تهدد بخسارة المعركة.

4 – إن الخيار إنمائي في القرى والبلدات الصغيرة، لكن المنحى السياسي يبدأ بالبروز كلما اتسع حجم الدائرة الانتخابية، حتى يصبح الخيار السياسي هو الأقوى في المدن الكبرى، كبيروت.

5 – إن الناخب اللبناني عموماً لم يبلغ بعد حدود النضوج السياسي، ما يخوِّله تغيير الذهنية التي تكفّل معظم طاقمها بإغراق البلد على مدى عشرات السنين، وستغرقه في السنوات المقبلة، في الفساد والاهتراء والفوضى. فثقافة الإصلاح السياسي شبه مفقودة لدى عامة الناخبين.

ولذلك، ينادي اللبنانيون بالتغيير والانتفاض على الواقع، لكنهم إجمالاً ما زالوا يجددون بملء إرادتهم للطبقة السياسية التي يتسبَّب معظم أركانها اليوم بمآزقهم في السياسة والاقتصاد والإنماء.

فضائح، فحراك مدني، فانتخابات بلدية

عندما يتمّ النظر اليوم إلى ما أفرزته الانتخابات البلدية يمكن التأكد أنها كانت بروفا ضرورية للدخول في عملية تغيير معينة. ولهذا السبب كان مطلوباً إجراء هذه الانتخابات بأي ثمن، ولم يكن مسموحاً بتأجيلها، على رغم أن البلد كله يعيش على التأجيل. وبناء على ما أظهرته الانتخابات البلدية، يمكن تفسير العديد من الظواهر التي بدت مفاجئة في حينها:

– كيف انفجرت موجة الفضائح التي أثارها الوزير وائل أبو فاعور في شكل غير مسبوق في لبنان، ولماذا؟

– لماذا جرى افتعال أزمة النفايات وإطالة مداها الزمني شهوراً لتبقى الأمور في مكانها بلا تبديل، وفي أية لحظة يمكن أن تعود الأزمة؟

– كيف استطاعت هيئات الحراك المدني أن تنتظم للمرّة الأولى بتغطية متكاملة وتدكّ أسوار الوزارات والمجلس النيابي، بعدما كان طموحها أن تجمع العشرات رافعين بعض الشعارات في زاوية ضيقة، لبضع دقائق؟

– كيف تجرّأت القوى المدنية وشبه المدنية والاعتراضية على خوض المواجهة الانتخابية، وأكدت حضورها في بيروت والبقاع والجنوب؟

يبدو أن هناك ترابطاً بين كل هذه المظاهر. وبعيداً عن المثاليات والطوباوية، يمكن هنا التفكير بوجود تغطية متكاملة لكل عوامل التغيير الظاهرة، الفريدة من نوعها، وبوجود خيط رفيع يوصل بينها.

فالحراك الشعبي الذي أطلقه الربيع العربي في كل دول المنطقة يصعب التصديق أنه جاء عفوياً. وقد أثبتت الأحداث أن الربيع أوصل إلى غايات معينة أو في طريقه إلى تحقيق غايات أخرى. ولبنان ليس جزيرة معزولة عن التأثيرات ذات الطبيعة المماثلة، وإن يكن فيه مفهوم النظام مختلفاً عن المفاهيم السائدة في العالم العربي، بمعنى السلطة الفئوية الأحادية.

لبنان يتغيّر

الداعمون للتغيير يقولون: ستحاول الطبقة السياسية أن تتهرب من هذا الاستحقاق. لكن الانتخابات الآتية، أياً تكن ظروف تنظيمها، وأياً يكن القانون الذي سينظمها، ستفرز نتائج جديدة ولو من داخل القوى ذاتها.

هذا الأمر ينسجم مع قوانين الفيزياء. فقبل 250 عاماً أثبت لافوازييه أن المادة الموجودة في الكون تتغيَّر من حال إلى حال، لكن أي شيء منها لا يضيع خارج الكون، كما لا تضاف إليها مادة أخرى من خارج الكون. كما أثبت أن المادة المتولِّدة من تفاعل مادتين أخريين يكون لها وزنهما معاً. وهذان القانونان ينطبقان أيضاً في السياسة، ويتلاءمان مع الواقع اللبناني.

كل ما يمكن للطبقة السياسية أن تفعله هو أن تهرب من شمولية القانون الأكثري إلى تعددية القانون النسبي، لتحفظ رأسها. وهذه المهمة كفيلة بتحقيق هذا الهدف مرحلياً. ولكن، يصعب أن تعود الطبقة إياها إلى الإمساك بلبنان كما كانت تفعل سابقاً.

الأمر يذكِّر أيضاً بما حصل في دول الجوار. ففي سوريا لن يعود الرئيس بشّار الأسد إلى الإمساك بسوريا كما كانت سابقاً. وكما حصل التغيير في سوريا، سيتغيّر لبنان أيضاً. ويبقى الإطار الذي سيرسو عليه لبنان وسوريا وسائر دول المشرق العربي، والمرهون باعتبارات استراتيجية تراعي موازين القوى الناشئة في نصف القرن الفائت، ولا سيما وجود إسرائيل.

الطبقة السياسية التي تحكّمت بلبنان على مدى قرنٍ من الزمن، أي منذ نشوء لبنان الكبير، استنفدت طاقتها وإمكاناتها كما استنفد لبنان الكبير طاقته وإمكاناته. فعقارب الساعة لا تعود إلى الوراء. ويدرك بعض الطبقة السياسية في لبنان أن هناك حتميات تقترب ولا يمكن لأحد أن يواجهها!

ويعتقد البعض أن المرحلة المقبلة ستشهد حراكاً نشطاً نحو تسوية مرحلية معينة. وظهر ذلك من خلال إصرار الرئيس نبيه بري على إجراء انتخابات نيابية في أقرب ما يمكن، سواء باعتماد قانون جديد للانتخابات النيابية في الورشة المفتوحة حالياً في المجلس النيابي أو بالسير بقانون العام 1960. لكن بري يدعم التوافق على قانون يعتمد النسبية في شكل أساسي.

لكن المشكلة التي برزت هي في سجال البيضة قبل أم الدجاجة؟ أي أيهما أولاً: إجراء الانتخابات النيابية أم الرئاسية؟

الرئيس بري لا يمانع في إجراء الانتخابات النيابية قبل الرئاسية. لكن تيار المستقبل وقوى مسيحية حليفة تحذر من أزمة دستورية- سياسية إذا حصل ذلك. فبمجرد انتخاب مجلس نيابي جديد تعتبر الحكومة مستقيلة، وإذا لم يكن هناك رئيس للجمهورية، سيكون متعذراً إتمام الآلية التي تؤدي إلى تسمية رئيس للحكومة وتشكيل حكومة جديدة.

وقد ردّ بري على هذا الخوف بالقول: نستحصل من النواب الجدد على تعهّد بأن يكون انتخاب رئيس جديد للجمهورية أول عمل يقومون به فور انتخابهم.

ووسط هذا السجال، يخشى البعض أن يتعذر الحل مرة أخرى، ويصل الجميع مجدداً إلى انتهاء ولاية المجلس الممدّدة فيسلقون الأمور، إما باعتماد قانون ال60 مرة أخرى وإما بالتمديد مجدداً.

لكن هذه المخاوف تقابلها مساعٍ حثيثة خصوصاً من جانب فرنسا لإنجاز انتخابات رئاسية في أقرب فرصة، علماً أن الجلسة ال40 لانتخاب رئيس جديد لم تنعقد الأسبوع الفائت بسبب استمرار عدم اكتمال النصاب، والمحاولة المقبلة ستكون في 23 حزيران/يونيو الجاري.

التسوية الصعبة

إذاً، هناك مبادرات على خطين: الرئيس نبيه بري والفرنسيون. ولكن، ليس واضحاً إذا كانت مبادرتا بري والرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند تتكاملان لإنجاز التسوية أو تتناقضان. ولكن، الأرجح أن التزامن بين المبادرتين ليس صدفة.

فالرئيس هولاند أصرّ على زيارة بيروت، قبل أسابيع، على رغم أن الجميع كان يمتلك انطباعاً بعدم وجود أي عنصر جديد يوحي بالتسوية في الملف الرئاسي. لكن المتابعين أكدوا أن الرجل لا يتحرَّك عبثاً، بل بناء على معطيات.

وعاد هولاند إلى بلاده برائحة التسوية. وبعد أيام، استقبل البطريرك بشارة الراعي. ويومذاك، خرج إلى العلن موقف البطريرك المعترض على طرح رئيس السنتين، والرافض أن يكون هو نفسه مكاريوس اللبناني. فالبطريرك بطريرك وليس مرشحاً للرئاسة. وبعد ذلك، جاء الرئيس سعد الحريري إلى باريس مجدداً.

المعلومات التي ترشح من أجواء باريس مفادها أن هولاند رفع في هذه المرحلة من وتيرة اندفاعه لتسوية رئاسية في لبنان، اقتناعاً منه بأن الظروف باتت ناضجة أكثر من أي وقت مضى، وأن هذا الحراك سيحظى بدعم أميركي، للمرة الأولى.  ففي المحاولات السابقة، حاول هولاند أن يضطلع بدور الشريك المضارب للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، من خلال اتخاذ موقف مناهض للمحور الإيراني وللرئيس بشّار الأسد في سوريا، ومساير للسعودية.

وعندما وقّع الإيرانيون الاتفاق النووي مع القوى الكبرى، حاول الفرنسيون أن يتداركوا بعض المكاسب، ومنها إنهاء الشغور الرئاسي في لبنان، المكان الوحيد الباقي لهم في المنطقة. وعوقبوا بعدم التجاوب معهم. ولذلك فشلت كل المحاولات لانتخاب رئيس.

اليوم، ومع نهاية عهد الرئيس باراك أوباما، يرغب الأميركيون في وضع ضوابط للسياسة التوسعية الإيرانية في المنطقة، بحيث لا تستغل طهران الوقت الأميركي الميت لتوسيع النفوذ. وفي هذا السياق، جاءت القرارات الأميركية بتجفيف تمويل حزب الله.

كما أن واشنطن لم تفرج تماماً عن الأرصدة الإيرانية المجمدة، رغبة في عدم السماح لطهران بإطلاق جماح سيطرتها الإقليمية. لكن واشنطن لم تمارس حتى اليوم ضغوطاً حقيقية على إيران من أجل إنهاء الفراغ الرئاسي في لبنان، لأن طهران كانت تطلب دائماً أثماناً غالية مقابل هذا الهدف.

لذلك، تضيف المعلومات، وجدت باريس أن من المناسب استغلال الوقت الأميركي الميت، في نهاية ولاية أوباما، للحصول من واشنطن على مباركة لمبادرتها الرئاسية في لبنان. وعلى هذا الأساس، يشعر الفرنسيون بأن هناك حظوظاً لنجاح حراكهم هذه المرّة.

ووفق المعلومات، تبدأ الخطوط العريضة للمبادرة الفرنسية بانتخاب رئيس للجمهورية أولاً، لولاية كاملة، ومن خارج الأسماء الصدامية المتداولة. وثمة كلام على تسميات مرجّحة، وتحظى بقبول القوى اللبنانية جميعاً.

وبعد ذلك، يتم تأليف حكومة جديدة يتمثَّل فيها الجميع وتشكّل تعويضاً للطامحين إلى بلوغ بعبدا، وإقرار قانون للإنتخابات يرضي كل الفئات، على أن تكون الآليات ناضجة لإجراء الانتخابات النيابية في موعدها المقبل، بعد عام.

ويراهن الفرنسيون على أن كسر الجليد بين باريس ودمشق سيساهم في تسويق المبادرة. ففي الأشهر الأخيرة عادت الحياة إلى حركة التواصل التي انقطعت بين الفرنسيين ونظام الرئيس الأسد قبل خمسة أعوام. وشهدت العلاقات بين باريس وطهران مزيداً من التحسُّن.

وكانت فكرة باريس الأساسية، تقضي برعاية مؤتمر لبناني على أرضها على غرار الدوحة، يقرّ تسوية سياسية تدير المرحلة الحالية باقل أضرار ممكنة على لبنان، انتظاراً للتسوية الشاملة في المنطقة. ولكن، يبدو حتى الآن أن الإجماع اللبناني على مؤتمر في باريس غير متوافر.

ولوحظ أن الرئيس نبيه بري طرح مبادرة تقوم على روزنامة تختلف عن الروزنامة الفرنسية، وتقضي بإجراء انتخابات نيابية مبكرة أولاً. وأرفق مبادرته برسالة واضحة إلى الذين يعنيهم الأمر، وفيها تشكيك بجدوى عقد أي مؤتمر للتسوية بين اللبنانيين في الخارج.

وفي المقابل، ردّ تيار المستقبل برفض الانتخابات النيابية المبكرة لأنها تقود إلى مغامرة كبيرة، وكذلك مجمل قوى 14 آذار. وهكذا، اختلطت الأوراق مجدداً، والأرجح أن المبادرة الفرنسية عادت إلى النقطة الصفر. ولوحظ أن القائم بالأعمال الأميركي ريتشارد جونز زار بري في عين التينة ودعا القوى اللبنانية إلى أخذ مبادرته على محمل الجدّ، وقال إن الرئيس سعد الحريري، الذي زار أيضاً عين التينة، يفعل ذلك.

وسط هذه الأجواء، كان بديهياً أن يرجئ وزير الخارجية الفرنسي جان مارك إيرولت، في شكل مفاجئ، زيارته لبيروت إلى 10 تموز/يوليو.

ويرى بعض الأوساط في هذا التأجيل إشارة إلى أن الطبخة الفرنسية موضوعة على النار، لكن نضوجها ما زال ينتظر بعض الوقت. وربما يكون السبب هو الصراع بين فرنسا والولايات المتحدة حول برنامج التسوية. فالفرنسيون يريدون إعادة بناء النظام اللبناني على أسسه الحالية من دون تغيير، فيما واشنطن وطهران ترغبان في إجراء تغييرات.

ومن هنا تتجدّد التكهنات حول ما سيقود إليه الوضع في لبنان، وسط تأكيدات في بعض الأوساط على أن الأميركيين والإيرانيين، على رغم تضارب المصالح بينهما في مجالات كثيرة، يمكن أن يلتقيا على إحداث تغييرٍ في النظام اللبناني الحالي. وما سمّي المؤتمر التأسيسي يمكن أن يكون مناسبة لإقرار الصيغة النهائية للبنان، بعد التعطيل المتعمَّد للاستحقاقات والمؤسسات، وعلى رأسها رئاسة الجمهورية والمجلس النيابي.

فهل أخطأ الفرنسيون، مرة أخرى، بحساباتهم عندما تسرَّعوا بتسويق التسوية واستثمار الوقت الأميركي الميت، فدفعوا الثمن مجدداً بإفشال المبادرة؟ وهل ستجد فرنسا نفسها مضطرة، في النهاية، إلى القبول بالتسوية التي يتفق عليها الأميركيون والإيرانيون؟

المشنوق وورقة فرنجيه!

ويسأل كثيرون عن اللغز الذي يكمن في موجة المواقف المفاجئة والمعلومات التي أطلقها الوزير نهاد المشنوق، من ملف الرئاسة، وهو بادر إلى التغريد عبر تويتر: صحيح أنني لا أمثل المستقبل في ما قلته، لكن كلامي يمثّل الضمير المستتر لالمستقبل، وقد حان الوقت لقول الوقائع كما هي ومن دون مواربة. وقال النائب عمار حوري إن كلام المشنوق هو تحليل شخصي.

تقول أوساط سياسية: لقد خرج المشنوق، على المستوى الشخصي، بإنجاز إجراء الانتخابات البلدية، من دون أية إشكالات إدارية أو سياسية، ومن دون ضربة كف أمنية. وهذا الأمر أدى إلى إلغاء الصورة التي كانت قائمة حتى تاريخه، والقائلة إن هناك ظروفاً قاهرة تمنع الاستحقاقات الديمقراطية وأن لبنان مهدّد بالفتنة إذا غامر بالانتخابات.

وقد تجاوب المشنوق مع المجتمع الدولي الذي حرص على تسهيل إجراء هذه الانتخابات لتجديد السلطات المحلية، النواة الأساسية في عملية التنمية. وهو قام بهذه المهمة، كما تولى سابقاً ملفات أمنية أخرى تعاطت معها وزارة الداخلية، كملف الإرهاب وملف الحراك المدني.

ومرت الإنتخابات البلدية من دون عوائق، فيما كان كثيرون يعتقدون أن مغامرة الإقدام على الانتخابات قد تكون مناسبة للجماعات الإرهابية كي تقوم باستغلال هذه الثغرة لافتعال فتنة أهلية، خصوصاً في المناطق المهدَّدة بالتفجير كعرسال وطرابلس وصيدا- عين الحلوة.

وقبل الانتخابات البلدية، قيل أيضاً إن الجيش اللبناني سيكون تحت الضغط في حال إجراء الانتخابات، وأنه ربما يعجز عن ضبط الوضع إذا اندلعت شرارة الفتنة بشكل مفتعل في أي منطقة لبنانية. ولكن، ربح الجيش هذا الرهان عبر قائده العماد جان قهوجي. وفيما الانتخابات أفرزت رابحين وخاسرين في الصناديق والمقاعد البلدية وفي السياسة، أفرزت رابحاً على المستوى الأمني هو قهوجي.

وفي ضوء المعطيات التي أفرزتها نتائج الانتخابات البلدية، برز الخلط الجديد للأوراق الرئاسية كجزء من عملية خلط الأوراق الشاملة في أية تسوية محتملة. ويبدو أن أول شروطها هي قيام الوزير المشنوق، في شكل واضح، بمسعى لإحراق ورقة النائب سليمان فرنجيه، إذ قال إن ترشيحه لم يكن خيار المستقبل، بل جرى تسويقه من بريطانيا.

والواضح أن إحراق فرنجية رئاسياً يجعله مساوياً للعماد ميشال عون، المحروق أيضاً، ما يعني أن هناك معطيات جديدة بدأت تظهر في الملف الرئاسي نحو واحد من اتجاهين: إما إحراق المرشحين الأساسيين المعلنين بهدف تكريس الفراغ الرئاسي لمرحلة طويلة، وإما إحراقهما لإنضاج المرشّح الجدّي الذي يمكن أن يصل عملياً إلى بعبدا.

وهناك مَن يعتقد أن الرئيس المقبل سيكون حتماً من خارج لعبة الترشيحات السياسية المعلنة، وأنه سيكون من خارج اصطفافي 8 و14 آذار اللذين لم تكن تنقصهما إلا الانتخابات البلدية لإثبات أنهما أنهيا خدمتهما العسكرية.

وبعد الانتخابات البلدية، لم يعد أحد يستطيع المطالبة بأن تكون ثنائية 8 و14 آذار أساساً لأية تسوية ظرفية يمكن أن تنشأ، على غرار ما كان عليه الأمر في اتفاق الدوحة. فهذان الفريقان أصيبا بالتشرذم التام، وبات كل طرف يعمل منفرداً لضمان مصالحه في اللعبة خارج إطار التحالفات.

والسجال الدائر بين المستقبل والقوات اللبنانية بعد الانتخابات البلدية هو أحد نماذج التشرذم، ويقابله تشرذم على خطوط كثيرة بين الحلفاء في 8 و14 آذار . وتبيّن أن إجراء الانتخابات البلدية كان مفيداً في تحريك الجمود السياسي ودفع الجميع إلى الاعتراف بالوقائع والمعادلات السياسية الجديدة.

لقد فجّر المشنوق قنبلته الصوتية في ما يتعلق بخلفيات ترشيح فرنجيه. ويتوقع بعض المتابعين أن تكون هناك تردّدات جديدة. ولا بد أن يستتبع ويكيليكس المشنوق سيلٌ من المواقف والمعلومات المفاجئة، من أطراف أخرى على الأرجح. فالجميع مصابٌ بالإرباك ولا يمكنه السكوت لئلا يُعطى سكوته تفسيرات لا يريدها.