سبتمبر 21, 2020

أنصار الثورة

عين على الحدث

غسان تويني لم يكن عادياً

نايلة تويني

في ذكراه الرابعة اليوم، يعود الينا ، كما نعود اليه، كلما فتشنا عن شغف الحياة في كل تفاصيلها، اذ ان غسان تويني كان متميزاً في كل الأمور التي عملها والتي علمها وعمل بها. كان شغوفاً الى حد الانجذاب الكلي في كل مرحلة من المراحل.

غسان تويني لم يكن صحافياً عادياً، فقد ساهم في نهضة الصحافة اللبنانية، وسيعترف له التاريخ بذلك، اذ ان حدوده تجاوزت “النهار” التي كبرت معه وكبر بها، لكنه كان أكبر منها، ولم تتسع لطموحاته في أحيان كثيرة. أعطى الصحافة اللبنانية رونقاً وموقفاً. وكان من قلائل صنعوا مجدها.

ولم يكن غسان تويني ديبلوماسياً عادياً، اذ انه صنع للبنان القرار 425 الذي أسس لانسحاب اسرائيل من الجنوب ومن كل أرض لبنانية محتلة. لم يتأثر بالضغوط الاسرائيلية والدولية آنذاك ، بل واجهها محققاً للبنان نصراً معنوياً عظيماً.

ولم يكن سياسياً عادياً، اذ انه نزل الى الشارع للتظاهر مع الأساتذة والطلاب عندما كان وزيراً للتربية. لم يشعر يوماً بانه ابن طبقة سياسية بعيدة من هموم الناس، أو انها تبيع الناس وعوداً فارغة قبيل كل موسم انتخابي، بل حمل همومهم أينما ذهب فكتب عنها ودافع عنها.

ولم يكن ناشراً عادياً، اذ ان معظم الناشرين يفكرون في النشر كعملية تجارية تجني لهم مالاً، إلا غسان تويني الذي كان ينتقي العناوين بعناية، ويوزع منشورات “دار النهار” هدية لكل أصدقائه ومحبيه. وكان يفاخر بأنه تبنى مواهب جديدة غير معروفة وطبع لها الكتب الأولى.

ولم يكن يشعر بعبء عندما سلمه المطران الياس عودة مسؤولية لجنة إعادة ترميم كاتدرائية القديس جاورجيوس في ساحة النجمة، بل كان يعتبر تلك المسؤولية تعبيراً عن ايمانه الذي لم يتزعزع على رغم الظروف القاهرة التي مرّ بها. فكان شغوفاً بكل تفاصيل الكاتدرائية، وعاشقاً لكل أيقونة فيها، وكان يسعد باصطحاب كل أصدقائه الى تلك الكنيسة الجميلة يطلعهم على مراحل الترميم ويحثهم على التبرع.

ولم يكن رقماً اضافياً في لجنة المتحف الوطني، كمعظم أعضاء مجالس الأمناء، بل كان مكباً على التفاصيل مع السيدة الأولى منى الهراوي، لأنه كان عاشقاً للتراث، وهو أول من خصص في جريدته صفحة يومية للبيئة والتراث ترصد الحفريات واكتشافات الآثار في وسط بيروت وتجهد لمنع طمرها أو العبث بها.

هذا بعض من غسان تويني الذي مهما قيل فيه يبقى ناقصاً عن ايفائه حقه، واذا كانت الحياة ظلمته كثيراً، فان ايمانه العميق والراسخ ميزه كثيراً، وقد أضيفت سعة معرفته وعلومه وديبلوماسيته، وأخلاقه، لتجعله انساناً غير عادي بامتياز.

رحمك الله يا جدي.