أكتوبر 1, 2020

أنصار الثورة

عين على الحدث

عظماء كبار وأقزام

فؤاد دعبول

عرفته أديباً كبيراً.

لكنني شاهدته مرة واحدة.

هو باقٍ في ذاكرتي، وماضٍ من عصر الى عصر. وظللت أتساءل: أين هو ذلك الأديب الموسوعي، الخلاّق بين الفلسفة والابداع؟ عرفته في منتصف الخمسينات، في احدى قرى الشمال، تحت إهدن العروس، وفوق طرابلس العاصمة الثانية للبنان. وهو لبنان كله قي معجمه الرائد ومطالعاته التي لا حدود لها. سألت حسيب غالب: أيها المهندس، أعجب أن تكون الشاعر الأول والأديب الأول، وأنت فرح بلقاء القارئ الأبرز لشعراء فرنسا: فيكتور هيغو، راسين، كورناي، ولعظماء انكلترا شكسبير، بايرون ومارك توين، ولرواد الفلسفة الاغريقية من هوميروس الى سقراط وأفلاطون، وصولاً الى رواد الأدب الروسي: تولستوي وديستوفسكي وايليا اهرنبورغ.

توقف. قالها بهدوء: انه هؤلاء جميعاً، وليس واحداً منهم.

سألته: من هو الضيف على أدباء الشمال، ولا أعرف اسمه بعد.

وحدّق حسيب غالب بالشعراء والأدباء أنطوان السبعلاني، ميخائيل فرح، يوسف يونس والآنسة سوزان بعيني.

إنه مَنْ نتعرّف به.

حسبك أن تذكر اسم جبران مسعود.

وأردف العالم الشاعر: لن تكون في عالمنا، اذا كنت لا تعرف جبران مسعود.

منذ عشرة أيام، كنت أتصفّح مجلة تأمين وعثرت فيها على مقابلة مع جبران مسعود أجراها صاحبها فضلو هدايا، فأدركت أن ضالتي هبطت علي فجأة. وفي آخر الحوار، يطرح عليه صاحب تأمين: ما هو الكتاب الذي تتمنى أن تكتبه؟ وردَّ جبران مسعود بتواضع جم: هذا الكتاب هو عظماء أقزام. وأعني بهم بعض مشاهير التاريخ القديم والحديث.

مَن يقصد جبران مسعود؟

وأجاب: بعض مشاهير رجال حرب وسياسة، امتلأت قلوبهم والعقول بالتواضع حيناً، وبالغرور أحياناً.

ماذا كان يعني؟ هو نفسه أجاب أعني دولاً تقضي على شعوب ضعيفة باسم العولمة تارة، وباسم الحماقة طوراً.

ويخلص الى القول: هؤلاء الأشخاص، وهذه الدول، أقزام في الدرك الأسفل.

هل بهذه الكلمات الكبار، نودّع الصحافة الورقية المائلة الى الغروب، فيما شمس الحضارة تغيب، وهي على وشك السقوط في المياه النائية عند الأفق البعيد؟ عندما تعرّفت على سعيد فريحه، يوم جئت الى الأنوار بادرني: اكتب ومزِّق فتصبح كاتباً.

يومئذٍ، كانت الكتابة موهبة، والصحافة مهنة البحث عن المتاعب. لكن الأستاذ الكبير زرع في عقلي أن الابداع لا ينقرض ولا يزول، وان التمزيق هو الطريق الى الابداع.

كان سعيد فريحه رائداً عملاقاً من عمالقة عصره. حسبه أنه أسس دار الصياد وجعلها ملاذاً لكل صاحب موهبة. وحسبه أيضاً أنه جمع في داره شتات المفكرين  والأدباء، ومعظم العلماء، لأن الرجل العظيم لا يخاف من استمالة العظماء الى داره، من مصطفى وعلي أمين ومحمد حسنين هيكل في مصر، الى سعيد عقل ومارون عبود وسليم نصار وجورج ابراهيم الخوري وسمير عطاالله في لبنان.