سبتمبر 30, 2020

أنصار الثورة

عين على الحدث

نفايات لبنان تغرق في الفضائح: غداً يذوب عنها الثلج ويظهر المرج! أصوات تسأل الحكومة ورئيسها: كيف جرت صفقة الترحيل؟

والآن، الجميع يسأل: هل نسيتم أزمة النفايات؟
منشغلون بأمور كثيرة، من ملء الفراغ الرئاسي إلى تحريك العمل الحكومي والنيابي، ويفكرون في إمكان إجراء الانتخابات البلدية والانتخابات النيابية الفرعية، قبل الانتخابات النيابية العامة. ويتلهون في المناكفات والمناحرات المتبادلة، ويتلذذون في التساجل حول موقف لبنان من الصراعات العربية والإقليمية… ولكن أزمات لبنان القاتلة عالقة في مكانها. زمة النفايات مستمرة منذ تموز/يوليو الفائت. الترحيل الموعود للنفايات فاحت منه الروائح الفضائحية الكريهة، وتبين من خلاله حجم الفساد الذي يسيطر على حياة اللبنانيين، في هذا الملف وكل الملفات الأخرى… ولكن لا أحد يحاسب أحداً. فمَن يحاسب مَن، إذا كان حاميها حراميها كما يقال في لبنان؟
نحو 300 ألف طن من النفايات تراكمت في الشوارع اللبنانية والغابات والحقول والأودية والجبال. حاولت البلديات أن تقوم بالحد الأدنى من الخدمة، تارة بالحرق وطوراً بالطمر، ولكن النتيجة كانت غالباً الفلش! نشر النفايات في الشوارع وكل مكان.
هناك مطامر عشوائية في قلب العاصمة وضواحيها السكنية بدأت تتحول جبالاً تنفث جراثيمها وسمومها وروائحها الكريهة إلى داخل البيوت. وهناك طرق جرى إقفالها تماماً بالنفايات وتم تغيير اتجاهات السير بين منطقة وأخرى. وهناك جبل للنفايات في جوار مطار بيروت الدولي. وهناك أماكن تندلع فيها نار النفايات ليلاً ونهاراً. ومع فصل الشتاء، هطلت الأمطار على جبال النفايات المكدسة، وتعطل الحرق، وجرفت السيول بعضاً من جبال النفايات ونشرتها في الشوارع العامة وأدخلتها المنازل والمتاجر والمدارس…
ومع العاصفة الثلجية الأخيرة، كسا الثلج جبال النفايات أينما كان، كما كل شيء. وبات اللبنانيون منتظرين الفرج لعله يأتيهم في يوم ما، أي في اليوم الذي يذوب فيه ثلج الفضائح ويظهر المرج! هناك همسٌ بدأ يخرج قوياً إلى العلن في لبنان: مَن دبَّر قصة ترحيل النفايات؟ ومَن فاوض الشركات واختارها، ما دام بعض الوزراء يقولون إنهم فوجئوا بالأمور ولم يشاركوا في التحضيرات من أولها إلى آخرها؟
البعض يريد أن يسأل رئيس الحكومة تمام سلام والوزراء: هل صحيح أن الترتيبات مع الشركتين اللتين جرى الإقرار لهما بالموافقة في مجلس الوزراء، لترحيل النفايات، لم يكن أحد يعرفهما ولا يعرف بشؤون المفاوضات معهما؟ يقول البعض إن سلام قال لهم ابعدوا عني هذه المسألة، فأنا لا أريد ان يقال عني إنني وافقت على أمور لا تستوفي الشروط القانونية. لكنه سمح بأن يمضي البعض بمفاوضات الترحيل.
الحل الافضل
ولذلك، تم التفاوض للترحيل مع ان الحل الحقيقي هو في اعطاء البلديات اموالها وشراء محارق وفق تقنية البلازما، تراعي الشروط الاوروبية. حيث تتحول النفايات إلى مادة منتجة لأنها تربح 45 دولاراً تقريباً في كل طن.
لقد جرى التفاوض مع الشركات من دون علم مجلس الوزراء، فيما الفضيحة مستمرة منذ 7 اشهر، والنفايات تملأ الشوارع وكل المناطق، واللبنانيون يواجهون الامراض بسبب تلوث الهواء والماء، عبر تسلل النفايات إلى المياه الجوفية.
ولا يشرح أحد للبنانيين كيف تم التوافق مع شركة لترحيل النفايات، ولماذا تم ذلك من دون مناقصة، فيما هناك عشرات الشركات الدولية لترحيل النفايات. وكيف تم تهريب القرار من تحت الطاولة وتم المجيء به الى مجلس الوزراء.
ويسأل كثيرون الوزير اكرم شهيب عما إذا كان يعرف الموضوع جيداً. فسعر ال260 دولاراً لطن النفايات هو سعر غير مقبول منطقياً، ويوحي بوجود صفقات وحصص. وعلى رئيس الحكومة وأركانها أن يشرحوا للناس ما جرى. ولماذا سكتت الحكومة 7 اشهر الى ان وصلت الى حل تم تمريره تحت الطاولة في مجلس الوزراء، ولم يعرف به الرأي العام، وحتى الآن لم يتم نشر الاتفاق المعقود مع الشركة البريطانية شينوك التي رسا عليها الالتزام، بعد عملية الانسحاب الغريبة للشركة الأخرى الهولندية!
ولا يعرف أحد الى اين سيتم ترحيل النفايات، وهل ستستقبلها دولة ما، أم ستقوم البواخر برمي النفايات في البحر ويتم تلويثه مقابل شواطىء لبنان وسوريا وتركيا؟
فإذا لم يقم الرئيس سلام والوزراء بإيضاح المسألة، ستكون في أيدي اللبنانيين حجّة قوية لملاحقة الحكومة والطاقم السياسي في مسألة فساد كبيرة ومكشوفة.
ما قصة الشركتين؟
لم يعرف أحد كيف تم تلزيم عقد النفايات لشركتين بريطانية هي شينوك وهولندية هي هووا، في ظل غموض تام حول المفاوضات، ومن دون مناقصة. ومجموعة شينوك يرأسها رفعت الشلبي، ولها أعمال في أوروبا في هذا المجال. وأما هووا التي جرى سحب الموافقة منها فلا أثر لها في مجال النفايات، ويوحي موقعها الإلكتروني بأنها مجرد غطاء خارجي لسمسرات داخلية يراد تمريرها. والدليل إلى ذلك أنها لجأت إلى وثيقة تبيَّن أنها غير قانونية للإيحاء بأن سيراليون وافقت على استقبال نفايات لبنان على أراضيها، كما أنها لم تسدِّد الكفالة المطلوبة وفق العقد.
وكانت الكفالة التي حددتها الحكومة اللبنانية هي 2.5 مليون دولار لكل من الشركتين، وعلى كل منهما أن تسدِّده قبل بدء عملها. ووقع تناقض في المعلومات حول دفع الشركتين للكفالة. وكان وزير الزراعة أكرم شهيب أعلن أنهما سددتا المبلغ. لكن معلومات أخرى أشارت إلى أن الشركة الهولندية لم تدفع الكفالة، وإنما الأخرى شينوك دفعتها. وفي ظل الغموض الذي يحيط بالملف بأسره، لا يبدو ممكناً التأكد من دفع المبلغ. فلا أحد يجيب عن هذا السؤال.
بو صعب يشهد وشهيب يدافع
وإستغرب وزير التربية الياس بو صعب ما حصل في ملف ترحيل النفايات متسائلاً: هل هناك أحد يصدر نفاياته الى الخارج؟ واضاف متهكماً: ينقصنا أن نقيم هيئة تشريفات لتوديع النفايات على المرفأ.
وفنّد بو صعب بالأرقام كلفة النفايات وترحيلها، وعرض العقد الرضائي لترحيل النفايات مع الشركات. وسأل: كيف تكون شركة الترحيل اجنبية والشخص المتعاقد مع الدولة لبناني؟ مؤكداً انها شركة غير محترفة ولها حسابات مصرفية في لبنان ولهذا اعترضت على الخطة للترحيل.
وفي المقابل، يقول وزير الزراعة أكرم شهيب إنّ الكثير من المعلومات والأرقام المتداولة حول الملف غير دقيقة، وأن حلّ تصدير النفايات لم يكن مؤامرة حيكت في ليل وهُرّبت تهريباً، وإنما هو حلّ عمليّ استغرق وضعه أسابيع طويلة من العمل، بعدما أحبطت جميع الحلول الأخرى، وأشبع نقاشاً على مدى ست ساعات في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء قبل إقراره. وأوضح بعض النقاط في الموضوع: أولاً: إن الدول التي سوف ترحّل إليها النفايات غير مجهولة، بل معلومة، وتم التحفظ على إعلانها إلى حين الحصول على موافقاتها المكتوبة، ذلك أن توقيع العقد النهائي مع الشركتين وتنفيذ قرار ترحيل النفايات مرهون بموافقات مسبقة موقعة من وزارات البيئة والخارجية في هذه الدول.
ثانياً: حول التكتم على هوية الشركتين، يهم المكتب الإعلامي في وزارة الزراعة الإيضاح أن تقديم العروض لم يكن حكراً على الشركتين المذكورتين، ذلك أن باب تقديم العروض كان مفتوحاً لكل الشركات المهتمة، وقد تقدمت سبع شركات بعروض مكتوبة، خمس منها كانت مستوفية للشروط. ولم تذكر أسماء الشركات كي لا يتكرر ما جرى إزاء الخطة الأساسية للإدارة المتكاملة للنفايات وخصوصاً في موضوع المطامر. ثالثاً: بالنسبة الى مسودة العقد بالتراضي بلا مناقصة أو دفاتر شروط، فإن اللجوء إلى مناقصة يحتاج إلى أشهر، في ظل ملف ضاغط يحتاج إلى حل سريع وشفاف، لذلك لجأت اللجنة المعنية إلى تحديد شروط أساسية لمشروع العقد، علماً أنه لا دفتر شروط عالمياً أو محليأ نموذجياً لترحيل النفايات المنزلية الصلبة.
رابعاً: خلافاً لما يذكر عن أن الكلفة قد تتجاوز ال250 دولاراً أميركياً للطن الواحد، فإن الكلفة هي:
– 33 دولاراً للطن: جمع ونقل إلى معملي الكرنتينا والعمروسية.
– 25 دولاراً للطن: فرز وفرم وكبس ورزم وتغليف ونقل إلى المرفأ من معملي الكرنتينا والعمروسية.
– 4 دولارات للطن: المراقبة الكاملة لحسن تنفيذ العقود.
– 8 دولارات للطن: كلفة التحميل من المرفأ إلى سطح الباخرة.
– 125 دولاراً للطن: الشحن إلى الخارج.
وبذلك يصبح المجموع 195 دولاراً للطن الواحد.
خامساً: في الشق القانوني، إن مسؤولية الدولة اللبنانية تنتفي عند وضع النفايات على ظهر الباخرة وتسلمها من الشركة المصدرة، لأن إجراءات إعداد النفايات قبل وضعها على ظهر الباخرة مراقبة من طرفي العقد ومن شركة إشراف خلال الفترة التي سوف تسبق تشغيل معملي العمروسية والكرنتينا من شركة Chinook، وانه عند مباشرة الشركة المذكورة تشغيل المعملين المذكورين تصبح هي المسؤولة عن اعداد النفايات تحت رقابة الدولة اللبنانية وشركة الاشراف.وقال: إن النفايات المصدرة هي نفايات بلدية وليست اي نفايات من النفايات الخطرة، وان دور فريقي العقد والشركة المشرفة التأكد من أن النفايات مطابقة لكودات codes محددة في العقد ولا تحوي أي نفايات خطرة هي أصلاً لا توجد في النفايات البلدية. وتأكيداً على أن لا مسؤولية اطلاقاً على الدولة اللبنانية تجاه أي جهة أخرى، بعد وضع النفايات على ظهر الباخرة، نص مشروع العقد في مواده الثالثة والرابعة والسادسة والثالثة عشرة على أن تعتبر التزامات الدولة اللبنانية قد تحققت عندما تصبح النفايات على ظهر السفينة ولا تتحمل الدولة اللبنانية أية مسؤولية مهما كان نوعها، وتجاه أي جهة من الجهات الرسمية وغير الرسمية، المحلية والدولية والدول والمنظمات الدولية على اختلاف أنواعها بعد تحميل النفايات على ظهر السفينة، وفي مطلق الاحوال تبقى الشركة مسؤولة تجاه الدولة اللبنانية عن أية أحكام أو مسؤولية تنشأ بين الشركة وأي فريق آخر، ولا سيما الدولة أو الدول المصدرة اليها النفايات بعد أن تصبح على ظهر السفينة. وقال: إن الدولة اللبنانية أكدت في المواد المذكورة أعلاه أن على الشركة المصدرة التزام القوانين والمعاهدات والاتفاقات الدولية وقوانين الدولة المصدرة اليها النفايات في عملية شحن النفايات والتخلص منها. والاتفاقات الدولية تسمح بتصدير النفايات ولا تمنعها اطلاقاً وتعطي الفرقاء في أي عقد يهدف الى تصدير النفايات تحديد شروط تصديرها والتخلص منها، بما في ذلك النفايات الخطرة على أن تراعى في ذلك الاتفاقات والمعاهدات الدولية. والشرط الاساسي في العقد هو موافقة الدولة او الدول المصدرة اليها النفايات على تصديرها اليها والتخلص منها فيها. وقال: إن مبدأ التحكيم في العقود كافة، سواء أكانت مدنية أو تجارية أو ادارية، أجازته المادة 762 من قانون أصول المحاكمات الادارية ونظمه الكتاب الثاني – الباب الأول من قانون أصول المحاكمات المدنية، ولذلك فإن مشروع العقد نص في مادته العاشرة على إنشاء لجنة لحل النزاعات تقوم بين الفريقين، سواء أكانت ذات طبيعة فنية أو قانونية بالطرق الحبية، وفي حال تعذر ذلك أجاز في مادته الرابعة والعشرين اللجوء الى التحكيم على أن يتم وفقاً للقوانين اللبنانية وعلى الأراضي اللبنانية، وهذا من أفضل شروط التحكيم في العالم. وبالنسبة الى الشركات الخمس التي تقدمت بعروض مكتوبة، فهي درست بدقة من مراجع مختصة ورسمية: قانونياً ومالياً وفنياً. في المقابل، يدعو كثيرون رئيس الحكومة إلى أن يتخذ موقفاً في موضوع النفايات، لأن ما يحصل اليوم فضيحة. وقال الوزير السابق وئام وهاب: لا أعلم لماذا ذهبنا نحو خيار ترحيل النفايات، فيما المشكلة هي إدارتنا الفاسدة. وأوضح أن مطمر الناعمة هو أفضل مطمر في الشرق الأوسط لكن شركة سوكلين أساءت استخدامه، وشدد على أن هذه الحكومة الأشد فساداً منذ الطائف. لكن البعض يسأل: هل فعلاً كانت هناك شوائب في عمل سوكلين؟ فإذا كان الأمر كذلك، لماذا لا يتدخل القضاء لكشف ذلك. وأما إذا كان عملها سليماً، فلماذا لا تتسلم الملف مجدداً. إنه بلد العجائب. بلد الفضائح المستدامة، يقول المطلعون، حيث المافيا تدير حياة المواطن بكل تفاصيلها، وهو عاجز عن القيام بأي شيء!