سبتمبر 24, 2020

أنصار الثورة

عين على الحدث

نظرة الى الامام نظرة الى الوراء: هل تأخر سقوط سايكس – بيكو نصف قرن؟

رفيق خوري

هل يواجه الشرق الاوسط في العام ٢٠١٦ بداية النهاية لما جرى رسمه في العام ١٩١٦، وما كان من المفترض ان ينتهي في العام ١٩٤٦؟ وماذا عن خطوط سايكس – بيكو في نظرة قادة استخبارات الى الامام ونظرة مؤرخ الى الوراء؟
مدير الاستخبارات الفرنسية برنار باجوليه رأى ان الشرق الاوسط الذين نعرفه انتهى، واشك في ان يعود مجددا. لا اعتقد ان في العراق وسوريا امكانا للعودة الى الوضع السابق، اذ سوريا مقسمة على الارض والشرق الاوسط سيكون حتما مختلفا عن الشرق الاوسط بعد الحرب العالمية الثانية. ورئيس الاستخبارات المركزية الاميركية جون برينان قال: عندما انظر الى الدمار في سوريا والعراق وليبيا واليمن، يصعب ان اتخيل وجود حكومة مركزية. فالحل العسكري مستحيل، ومن الخطأ الذهاب مباشرة الى البحث عن تسوية نهائية، لان الممكن هو استراتيجية الخطوات الصغيرة: خفض درجة الحرارة وحدة النزاع، وبناء الثقة بين الاطراف الراغبين فعلا في التوصل الى تسوية سلمية.  اما في النظرة الى الوراء، فان سيمون سيباغ مونتفيوري مؤلف كتاب، آل رومانوف ١٦١٣ – ١٩١٨ يعيد التذكير بان اتفاق سايكس – بيكو كان في الاساس معاهدة سايكس – بيكو – سازونوف والثالث هو سيرغي سازونوف وزير خارجية روسيا ايام القيصر نيكولا الثاني. وحسب المعاهدة التي رسمت حدود لبنان وسوريا والعراق وشرق الاردن وفلسطين ضمن حصص الانتدابين البريطاني والفرنسي بعد هزيمة السلطة العثمانية في الحرب العالمية الاولى، فان روسيا التي احتلت شمال ما صار العراق واقتربت من بغداد، حصلت على وعود بحصة كبيرة: اسطنبول، اجزاء من تركيا وكردستان، وسهم في القدس. لكن قيام الثورة البولشيفية قاد الى نضح
التواطؤ السري بين الكبار والغى الاحلام الشرق اوسطية للامبراطورية.
والنظرية الجديدة في النظر الى الوراء عبّر عنها فرد كابلان في تحقيق سياسي شمل عشرات المسؤولين الحاليين والسابقين في ادارة الرئيس باراك اوباما ونشرته مجلة فورين افيرز النافذة التي تصدر عن مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك. كابلان استخلص من حواراته العميقة ان حدود سايكس – بيكو التي جرى رسمها في الحرب العالمية الاولى كان يجب ان تسقط بعد الحرب العالمية الثانية وتنامي جبارين دوليين هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وافول الدورين البريطاني والفرنسي اللذين رسما الحدود. لكن الحرب الباردة وضعت حدود سايكس – بيكو في الثلاجة. ومع سقوط الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة، فان حقبة انهيار الحدود بدأت، وكان غزو العراق هو الذي خربط توازن القوى. وبكلام آخر، فان موت سايكس – بيكو الذي نتحدث عنه اليوم تأخر اكثر من نصف قرن.
لكن اسرائىل هي التي بدأت تجاوز حدود سايكس – بيكو عندما استولت في حرب ١٩٤٨ على ما كان ضمن الدولة الفلسطينية في مشروع التقسيم، الذي رسمه القرار الدولي، ثم عندما احتلت الضفة الغربية وسيناء والجولان في حرب ١٩٦٧. والتغيير الآخر الخطير هو محو الحدود بين العراق وسوريا على يد داعش الذي اعلن دولة الخلافة في مساحات من البلدين.
ولا احد يعرف، وان قال كثيرون انهم يعرفون، ان كان التغيير سيشمل الغاء حدود الدول في بلاد الشام لجهة قيام دويلات طائفية ومذهبية واثنية. لكن الكل يرى ان التغيير داخل الدول يفرض نفسه. فالنظام المركزي الشديد في العراق صار بعد الغزو الاميركي نظاماً فيديرالياً حسب الدستور. والتصوّر، حتى في مرحلة ما بعد القضاء على دولة الخلافة، ان العراق سيصبح مشكّلاً من ثلاثة اقاليم: اقليم كردي يكاد يقترب من كونه دولة مستقلة، اقليم سنّي في الوسط، واقليم شيعي في الجنوب. والنظام المركزي الشديد في سوريا لم يعد يسيطر على ما يتجاوز عشرين في المئة من الارض. ولا احد يتصوّر امكان ان يعود كما كان قبل الثورة والحرب. صحيح ان مشاريع التسوية السياسية، حسب بيان جنيف، ثم بيان فيينا تركز على وحدة سوريا ارضاً وشعباً، لكن الصحيح ايضاً ان النظام الفيديرالي صار اقرب الى الصورة من التصوّر. ولا احد يجهل القلق الذي يعبّر عنه كثيرون في لبنان والاردن نظراً الى امكان التأثّر بالصراع الجيوسياسي في المنطقة.
والمؤكد ان ما طوي هو اوراق الثورة على حدود سايكس – بيكو لاقامة دولة الوحدة العربية.