سبتمبر 20, 2020

أنصار الثورة

عين على الحدث

«الترويكا» تضرب من جديد

 

منير الخطيب

من غرابة يوميات السياسة اللبنانية ما أحدثه حجر سليمان فرنجية في مستنقع الرئاسة الهادئ منذ بدء الفراغ في قصر بعبدا، قبل سنة وأربعة أشهر. هذا المستنقع محكوم بتوازنات إقليمية ومحلية، لم تؤثر في بنيانها اثنتان وثلاثون محاولة انتخاب رئاسية، كرر الرئيس نبيه بري الدعوة إليها من دون ملل. وبدا قبل طرح اسم الزعيم الزغرتاوي أن الأمور متّجهة إلى ركود طويل لن تعكر صفوه «حرتقات» محلية.
عندما تم الإعلان عن ترشيح فرنجية الذي لم يجاهر به بعد مطلقه المفترض سعد الحريري، حصلت غرابة غير متوقعة. لجأ تيار «المستقبل»، المدني السلمي بامتياز، إلى لغة الحرب، محذراً على لسان أمينه العام أحمد الحريري من «الانتخاب بالدماء في حال استمرار الفراغ الرئاسي».
ووُضعت ورقة إعلان النيّات بين «القوات اللبنانية» و «التيار الوطني الحرّ» أمام اختبارها الأول. هل تتحوّل الى ورقة ضد فرنجية، وبالتالي يمشي سمير جعجع بترشيح الجنرال؟ أم أنها ستكون ذريعة لسعد الحريري للتنصّل من تفاهماته المسبقة مع جعجع؟
وفي ظل غياب المواقف النهائية للقوى الرئيسية المعنية بترشيح فرنجية، أي «حزب الله» والأقطاب المسيحيين «الأقوياء» بحسب تصنيف بكركي، امتلأ الفراغ السياسي بتوقعات مستندة الى تحليلات أكثر غرابة. هل يسير عون بترشيح فرنجية مقابل قانون انتخاب يطوّب له ولحلفائه أكثرية برلمانية وازنة؟ هل فعلاً يتخلى ابن العائلة الشمالية سليمان فرنجية عن تحالفه التاريخي مع الرئيس السوري بشار الأسد نزولاً عند رغبة ابن العائلة المتنية سامي الجميّل؟ والأهم، لماذا ترك وليد جنبلاط مرشحه المفضل هنري حلو وحيداً؟ وعلى أي من حلفائه ينقلب «حزب الله»، عون أم فرنجية؟ وكيف يستفيد رئيس مجلس النواب نبيه بري من عاصفة فرنجية لتمرير مرشحه المفضل جان عبيد، فيسجّل فوزاً كبيراً على «صديقه اللدود» وليد بك؟
أما ذروة الغرابة فهي في البيان الصادر في وقت متزامن عن «القوات» و «المستقبل». الأول وفيه: «وردت في الساعات الأخيرة تصريحات لبعض الرفاق والمناصرين على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل يتعرّض لقيادات 14 آذار. لذلك، نحذر المحازبين ونتمنى على المناصرين عدم التعرض لقيادات 14 آذار وتحديداً الرئيس سعد الحريري».
الثاني عن «تيار المستقبل» بصيغة مذكّرة إلى المنسقين العامين للمنسقيات والقطاعات، موجهة من أحمد الحريري، وفيه «تطلب الأمانة العامة من كل الهيئات التنظيمية الإيعاز إلى أعضائها، بضرورة الالتزام بتجنّب الانجرار إلى السجالات في شأن المبادرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديداً مع جمهور القوات اللبنانية». البيانان لم يحدّدا سبب انقلاب جماهيرهما على قياديتهما. لكن من الواضح في الصياغة وجود أزمة لدى القيادتين، اللتين ارتكبتا «خيانة» لا تغتفر.
هذا التجهيل المُتعمّد يكشف عن خجل المعنيين بالمبادرة الرئاسية الطارئة. الخجل من التحالفات المبنية على «باطل»، ومن عودة «الترويكا» (حريري وبري وفرنجية بدلاً من الهراوي) التي لم ينسَ اللبنانيون أفضالها عليهم. وهذه المرة، «الترويكا» معززة بالظهير وليد جنبلاط. فلنتوقع «سياسة تتحدّى الملل». عندما يكون الأمر محرجاً للبنانيين واللبنانيات الساعين الى العبور من مزرعة النظام الى دولة المؤسسات، يصبح التجهيل أسرع المخارج. مشروع الدولة مؤجّل مجدداً، وربما يحتاج الفصل بين الهوية والمواطنة الى حرب جديدة