سبتمبر 27, 2020

أنصار الثورة

عين على الحدث

مواصفات المرشح للرئاسة حدّدها الدستور وصفاته تبقى الأهمّ

اميل خوري

منذ متى كان انتخاب رئيس للجمهورية يخضع لمواصفات يحدّدها له هذا الطرف السياسي والحزبي أو ذاك، أو يخضع لامتحان تجربة من هذه الدولة أو تلك؟
في الماضي كان المرشح للرئاسة يؤمن بخط سياسي وينافسه مرشح يؤمن بخط سياسي آخر، ولم يعد لبنان يواجه مثل هذا الوضع في الانتخابات الرئاسية إلا عندما أصبح خاضعاً للوصاية السورية، فصار كل مرشح للرئاسة يخضع للامتحان السوري الذي يطرح عليه أسئلة مثل: هل يؤيد وجود القوات السورية في لبنان وبقاءها الى أن تطلب حكومة الوفاق الوطني انسحابها؟ فمن يجب بـ”نعم” يصبح مرشحاً مقبولاً للرئاسة بل مضموناً فوزه، ومن يجب بـ”لا” يخسر الرئاسة. ومن أجل إبقاء هذه القوات الى أجل غير معروف، كان يُفرض تشكيل حكومات “وفاق وطني” لئلا يتفق جميع أعضائها على طلب انسحابها. وفي ظرف مختلف كانت سوريا تطرح على المرشحين للرئاسة الأولى سؤالاً: هل توافقون على إخراج العماد ميشال عون بالقوّة من قصر بعبدا إذا لم يخرج منه طوعاً وكان رئيس حكومة خلال فترة الشغور الرئاسي؟ فمن يجب بـ”نعم” يصبح مرشحاً مقبولاً، ومن يُجب بـ”لا” يخسر الرئاسة.
وعندما انتهت الوصاية السورية وكان ينبغي أن يعود لبنان الى انتخاب رئيس للجمهورية من بين مرشحين يؤمنون بسياسة قوى 14 آذار ينافسون مرشحين يؤمنون بسياسة قوى 8 آذار، لكن هذا لم يحصل وصار المرشحون يخضعون كما هو راهناً لامتحان من نوع جديد وهو مدى انطباق المواصفات التي يحددها أقطاب الحوار فيختلفون على تحديدها أو يختلفون على تسمية مرشح أو أكثر تنطبق عليه هذه المواصفات، وهي في الواقع شروط مسبقة على المرشح لمعرفة ما إذا كان أقرب سياسياً الى 8 أو 14 آذار، وأهم ما في المواصفات هو الموقف من سلاح المقاومة ومن تحييد لبنان. وهي مواصفات تخالف الدستور الذي نص صراحة على “أن رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء، وينتخب بالاقتراع السري بغالبية الثلثين في مجلس النواب وفي الدورة الاولى ويكفي بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي، وتدوم رئاسته ست سنوات ولا يجوز إعادة انتخابه إلا بعد ست سنوات لانتهاء ولايته، ولا يجوز انتخاب أحد لرئاسة الجمهورية ما لم يكن حائزاً الشروط التي تؤهله للرئاسة وغير المانعة لأهلية الترشيح، كما لا يجوز انتخاب القضاة وموظفي الفئة الأولى وما يعادلها في جميع الادارات العامة والمؤسسات العامة مدّة قيامهم بوظيفتهم وخلال السنتين اللتين تليان تاريخ استقالتهم وانقطاعهم فعلياً عن وظيفتهم أو تاريخ احالتهم على التقاعد”.
هذه هي الشروط التي حدّدها الدستور وليست تلك التي يحدّدها كلٌّ بحسب رأيه، كما قال الرئيس السابق ميشال سليمان “وكأننا في انتخابات ملكات جمال… فالرئيس يجب أن يشبه الصيغة والدستور”.
الواقع أن المواصفات عند الاتفاق عليها قد تنطبق على كثير من المرشحين، إلا أن صفاتهم ليست واحدة وهي الأهم.
لذلك فان مرشحين قد يعلنون التزامهم سياسة المقاومة إرضاء لـ”حزب الله” أو التزامهم سياسة تحييد لبنان إرضاء لأحزاب تدعو الى ذلك ثم يغيّرون رأيهم بعد الوصول الى الرئاسة، إما بذريعة أن الظروف تبدلت، أو أن المعطيات تغيرت. فعلى المتحاورين إذاً أن يكفّوا هم وغيرهم عن تحديد مواصفات المرشحين للرئاسة خلافاً لما نص عليه الدستور، خصوصاً وقد أصبحت شروطاً مسبقة تقيّد المرشح وتكبّله مع ان لا شيء يجب أن يقيده سوى الدستور ومصلحة الوطن، وان يحكّم ضميره في كل ما يفعله لكي يحظى بثقة الناس أولاً، ولا يكون طرفاً ضد طرف بل للجميع ما دام الجميع للبنان أولاً. فلبنان يقوم على سياسة التوازنات الداخلية وكل خلل فيها يولّد أزمات، وهو ما يحصل حالياً بوجود سلاح في يدّ طرف لبناني من دون طرف آخر، ولحامليه سلطة اتخاذ القرارات وتجاوز سلطة الدولة أحياناً، مما يخلق شعوراً بوجود غالب ومغلوب.
لذلك ينبغي انتخاب رئيس ليس بموجب مواصفات محدّدة، بل بموجب صفات يتحلى بها وتجعله موضع ثقة الجميع، ويكون يعرف كيف يحافظ على التوازنات الداخلية الدقيقة تجنباً لمواجهة أزمات يستعصي عليه حلّها فتفتح الباب لتدخل خارج يعمل لمصلحته أولاً.