سبتمبر 28, 2020

أنصار الثورة

عين على الحدث

أوباما وسوريا

عبد الله بوحبيب

أُنتخب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة (2008) على وعد بأن يوقف حروب بلاده مع الآخرين، فانسحب من العراق، وقرر تحت الضغط الأمني المتدهور إبقاء أقل من عشرة آلاف جندي في أفغانستان، وامتنع عن تنفيذ تهديده للنظام السوري، عندما اتهمه باستعمال السلاح الكيميائي، لكنه استعمل القوة الجوية لإنهاء حكم معمر القذافي في ليبيا.
تطورات الحرب السورية، خاصة امتداد تنظيم «داعش» إلى العراق، أجبرت الرئيس أوباما على إعادة حساباته في الشرق الأوسط، بعدما كان قد قلل من اهتماماته بالمنطقة، عقب التعنت الإسرائيلي وفشل مبادرة وزير خارجيته جون كيري في تضييق الهوة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل.
توسُّعْ «داعش» إلى شمال العراق، حمل واشنطن على إرسال مساعدات وخبراء عسكريين إلى العراق، لمنع إيران من ملء الفراغ الذي ظهر جلياً بعد فشل الجيش العراقي في مجابهة «داعش». كما أقامت واشنطن تحالفاً دولياً (مع عرب الخليج وأوروبا الغربية) لمحاربة «داعش» مع تشديد الرئيس أوباما على أن نهاية التنظيم الإرهابي لن تكون قبل ثلاثة أعوام، أي عندما يصبح للعراق جيش متوازن ومقاتل.
بكلام آخر، باتت ضربات التحالف المتقطعة على «داعش» في العراق وسوريا لا تهدف إلى إنهائه، بل إلى إضعافه واحتوائه ومنعه من تشكيل خطر على دول التحالف الغربية والعربية خاصة الخليجية. بدا كأن التحالف أراد إبقاء «داعش» في مواقعه الجغرافية لاستمرار الفصل بين إيران والعراق من جهة، وسوريا من جهة أخرى، تلبية لرغبة خليجية.
لكن الدخول الروسي إلى الحرب السورية، المفاجئ لكل دول التحالف، أحرج واشنطن بقصفه الجوي المستمر، كل التنظيمات العسكرية المعارِضة لنظام الرئيس بشار الأسد، وقد فاق عدد الغارات اليومية الروسية في الأسابيع الأولى عدد الغارات الذي يقوم به التحالف العربي – الغربي في شهر. يهدف القصف الروسي إلى إنهاك تلك المنظمات المعارِضة تمهيداً لزحف جيش النظام السوري وحلفائه (إيران وحزب الله) على تلك المناطق واستردادها من دون كلفة بشرية عالية. تقع هذه المناطق في «سوريا المفيدة»، وهي القسم الغربي من سوريا التي يسكنها أصلاً أكثر من 75 في المئة من السوريين الذين ينتجون ما يزيد عن 80 في المئة من الناتج القومي.
نقلت الصحف الأميركية عن رسميين ومحللين، منهم وزير الخارجية، في سبعينيات القرن الماضي، هنري كيسينجر، أن هدف روسيا من دخولها الحرب المحافظة على نظام الأسد، وإرساء وجودها في المتوسط من خلال إقامة قاعدتين بحرية وجوية، تكوِّنان الفرصة الاستراتيجية والتاريخية للوجود الروسي في المياه الدافئة، وضرب الإرهابيين في التنظيمات الإسلامية المتطرفة، خاصة تلك التي من أصول روسية واستئصالها، وتثبيت الدور الروسي في عمليات الحرب والسلام في الشرق الأوسط، وإمكان إقامة حلف مع إيران والعراق وسوريا، بالإضافة إلى حزب الله (حلف الأربعة زائداً واحداً)، وأخيراً، وربما ليس آخراً، إمكان التنسيق بين هذه الدول في شأن تصدير البترول، خاصة الغاز، إلى أوروبا.
برغم كل ذلك، لم تتغير كثيرا السياسة الأميركية نحو سوريا. واشنطن لا تزال ترفض إنهاء النظام السوري بقوة السلاح كما حصل في ليبيا، ولا تزال تصر على انتقال سلمي للسلطة في سوريا، يصبح الرئيس الأسد خارجها أو هامشيا. كذلك تستمر واشنطن في دعمها المتواضع، ما يسمى قوات المعارَضة المعتدلة، وإن تحالفت مع منظمات إسلامية متطرفة كـ «النُصرة» (القاعدة في سوريا)، كما حدث عند اقتلاع هؤلاء قوات «داعش» وقوات النظام من محافظة إدلب على الحدود التركية.
في غضون ذلك، يتجه يومياً آلاف السوريين إلى أوروبا بتشجيع تركي، هاربين من الحرب المدمرة ومن أنظمة «داعش» و «النصرة» وغيرهما من التنظيمات الإسلامية المتطرفة، ما حمل أوروبا على الضغط على واشنطن للتفتيش عن توافق سوري، يوقف هذا الزحف المهدد للهوية الأوروبية، وإن كان مساعداً لاقتصاديات القارة العجوز.
يبقى مصير الرئيس السوري بشار الأسد نقطة الخلاف بين التحالفين الروسي والأميركي؛ فبينما تكتفي واشنطن بتهميشه، وترفض السعودية وقطر بقاءه في أي شكل، تصر روسيا وإيران على أن للشعب السوري وحده الحق في تقرير مصيره.
هذا، ويستمر التحالف الغربي – العربي في العمل على إقامة تحالف عسكري على الأرض السورية، يستثني «داعش» ويضم «النصرة» وتنظيمات معتدلة وإسلامية، يهدف إلى إفشال تحالف «الأربعة زائداً واحداً» في فرض سيطرة النظام على «سوريا المفيدة».
لم تثمر اجتماعات فيينا والاتصالات المكثفة بين وزيري خارجية واشنطن وموسكو حتى الآن، بداية لآلية حل للمشكلة السورية، وذلك لأن المصرِّين على التغيير في سوريا يركزون على دور الرئيس الأسد وليس على صيغة نظام جديد، وكأنهم يريدون إبقاء النظام وتغيير القيادة.