أكتوبر 26, 2020

أنصار الثورة

عين على الحدث

جولة في قصر بونابرت الذي تحوَّل الى فندق تكشف أسرار باريس وحكامها

الأميرة ماري بونابرت باعت القصر وأمجاده
لأن طفولتها فيه لم تكن سعيدة

ثمة في باريس بناء يزوره الكثير من رؤساء الدول الباحثين عن حكايات الأمجاد والقوة، وتحديداً في سيرة الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت. وفي العام 2009 تم تسجيل الجزء التاريخي من هذا البناء على لائحة الصروح التاريخية في فرنسا، وتوج ذلك جهداً ضخماً لفريق المهندسين والمرممين الذين دفعوا باتجاه هذا الإنجاز. ولكن قبل أكثر من قرن من الزمان كانت طفلة صغيرة اسمها ماري بونابرت عمها الأكبر نابليون تضجر كثيراً من هذا التاريخ الذي كانت مضطرة لأن تهضمه. لكنها لم تعرف أنها ستسهم بتفصيل صغير وإنما مهم في التاريخ الحديث، عبر إنقاذها حياة سيغموند فرويد، أحد أشهر العلماء النفسيين في التاريخ، من ايدي النازيين في الحرب العالمية الثانية.
هذا البناء تحوَّل الى فندق شانغريلا باريس، وتحتاج الجولة فيه الى حوالى ساعتين.
وقد ورد اسم شانغريلا في الإرث الإبداعي في رواية جيمس هيلتون سنة 1933 وتعني السلام والقداسة، وهما الشعوران اللذان يسيطران على المتجولين في المبنى، الذين يصحبهم توني لوغوف، وعادة ما يكونون من نزلاء الفندق.
واجهات المبنى زجاجية ملونة، وهو يضم صالات الأونفيلاد الثلاثة الأونفيلاد هي صالات كانت شائعة في تصاميم المنازل الفرنسية ابتداء من القرن السابع عشر وتضم صالة الطعام
والجلوس والحفلات، لا تزال هي الأصلية، من تصميم الأخوين الإيطاليين يتزاغالي، وهي واجهات ساحرة تشد النظر حالما ارتقاء السلالم التي صممها الأخوان موهو اللذان قاما بتصميم الكثير من بيوت الدوقة في ذلك الزمن.
أيضاً تلفت الأنظار زخارف من الموزاييك البيزنطي، الذي كان شائع الاستخدام في الكثير من الأبنية والبيوت في أوروبا عامة وباريس خاصة في نهاية القرن التاسع عشر، وبالإمكان العثور على تصميمات شبيهة في مبنى أوبرا غارنييه اليوم.
قصة الأوبرا
ومن الجدير ذكره تلك العلاقة بين عائلة بونابرت وشارل غارنييه مهندس الأوبرا. فوالد زوجة الأمير رولان بونابرت، هو الثري الفرنسي فرانسوا بلون، الذي أسس وكان يملك كازينو مونت كارلو الشهير، إضافة إلى كبرى الشركات الفندقية السياحية في جنوب فرنسا.
وبعد سقوط الإمبراطورية الثانية في 1870، كان نصف مبنى الأوبرا فقط قد تم تشييده، ولم يعد بوسع المهندس غارنييه أن يتلقى مزيداً من الدعم من الإمبراطور الذي تم سجنه. وحين وصل الجمهوريون إلى الحكم، في جنوب فرنسا، في موناكو، سيطر الرعب على أميرها شارل الثالث، وخاف من أن يتم القضاء على استقلالية موناكو واضطهاده شخصياً. فما كان من هذا الأخير إلا أن لجأ إلى الثري رجل الأعمال هناك فرانسوا بلون، الذي اقترح عليه أن يقوم، نيابة عنه، بتبرع سخي لكي يتم الانتهاء من بناء دار الأوبرا، ثم سلمه هدية للفرنسيين في باريس.
الطريف في الأمر، أن الوثائق والكتالوغات عن تاريخ دار الأوبرا الشهير، وكذلك الجولات السياحية التي تنظم اليوم هناك، لا تذكر شيئاً عن هذه الهبة. ويُعاد السبب إلى أنه: لطالما نظر إلى أموال الكازينو إلى أنها أموال شيطانية لا يجدر الحديث عنها حتى لو كان لها وظيفة مساعدة أو إنقاذ.
انقطاع الصلة
وببيع الأميرة ماري بونابرت ابنة رولان القصر الذي ولدت وترعرعت فيه، عام 1914، إلى الحكومة الفرنسية، تكون قد انقطعت الصلة المباشرة للملكية مع عائلة بونابرت. وكانت الأميرة قد قابلت فيه لأول مرة عام 1907 الرجل الذي كانت قد تزوجته غيابياً أمير اليونان جورج وهو تقليد كان شائعاً آنذاك في تزاوج أبناء العائلات النبيلة من ملوك وأمراء، إذ يعقد قرانهما حتى لو كانا مقيمين في بلاد مختلفة، وقد لا يلتقيا إلا بعد وقت طويل.
ويرجع الخبراء سبب تخلي الابنة عن ميراث بهذا المجد إلى كونها لم تعش طفولة سعيدة فيه، إذ كانت يتيمة وغريبة، تمضي الوقت مع جدتها المشغولة بتنظيم الحفلات الارستقراطية في القصر، واستقبال الزوار، بعيداً عن الوالد المنغمس في عالم العلم والنبات. وفي الواقع، فإن والدة رولان، الذي هبطت عليه الثروة فجأة بعد وفاة زوجته، هي التي كانت وراء بناء القصر، ورغبت به بشدة، وأقنعت ابنها بتشييده، فيما هو غير مكترث إلا للعلم وعينات البوتانيك الخاصة به. لقد كانت الأم قد ضاقت ذرعاً بالبيت القديم الذي كانت تعيش فيه مع الأمير، والذي يعود بناؤه إلى القرن السادس عشر لم يعد موجوداً اليوم، وقد بات يضيق عليهما مع جمع الأمير لكميات ضخمة من الكتب وألبومات النباتات المحنطة التي باتت مكومة كالجبال داخل المنزل. لذلك، وقد أصبح ثرياً بعد وفاة زوجته، ألحت الأم على ابنها بأن يبني القصر الذي انتقلا إليه مع الطفلة فيما بعد.
الغرفة الداكنة
يضم احد الصالونات الثلاثة في الطابق العلوي، نقوشاً تمجد العم الأكبر نابليون بونابرت وسيرته السياسية، كما في تاريخ 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 1799 الهام، وهو تاريخ الإنقلاب الذي قام به نابليون وأخوه لوسيان على حكم الثورة الفرنسية. وتحت ضغط السلاح، تم انتخاب بونابرت آنذاك ديمقراطياً لينهي عهد الثورة ويبدأ عهد الوصاية البونابرتية التي أودت بعد سنوات قليلة إلى إعلان نابليون لنفسه امبراطوراً.
وتظهر مشاهد محفورة على الخشب وأخرى على البرونز تحت سقف يصل ارتفاعه إلى ثماني أمتار، تعاون لوسيان الحذق مع أخيه نابليون في تلك الأيام التي خيمت على الإنقلاب، وذلك قبل أن يختلفا، بل ويكره أحدهما الآخر، حتى أن نابليون قد نفى لوسيان خارج فرنسا. وفيما مضى شغلت غرفة طعام العائلة هذه الصالة التي يصف بعض أجواؤها لو غوف: يمكننا أن نتصور هنا الأميرة الصغيرة اليتيمة ماري كئيبة وتشعر بالضجر من تاريخ عائلتها، الذي عليها أن تتعلمه، ومن الجولات التي تنظمها جدتها لزوارها ومن غياب الأب المهووس بعالمه الخاص والمسافر دوماً.. وهي تنظر إلى كل هذه النقوش وتتمنى أن تلعب وتشعر بفرح كما الأطفال في سنها.
في الغرفة أيضاً تجسيد محفور لبونابرت وهو يقطع جبال الألب في سان برناندينو، وهي أعلى نقطة على الجبال قبل أن يحاصر إيطاليا. إنها غرفة أخرى كانت مخصصة فقط لنابليون بونابرت. علينا أن نتخيل الأسقف مغطاة بالرسوم وفي كل الزوايا هناك منحوتات تجسد انتصارات بونابرت. الأميرة ماري أخذت كل شيء حين تركت القصر، وبقيت بعض المقتنيات التي تحولت إلى شركة تمويل امتلكت البناء، قبل أن يتم نقلها إلى قصر فرساي. بعض الرسومات بيعت في مزادات علنية.
كان نابليون يستلهم من قصص القادة الرومان، لذلك نجد في الغرفة التي خصصت ذكراه منحوتات تجسد الحملات الرومانية وكيفية لباسهم في الحملات العسكرية وسلاحهم هناك نقش بحروف اس أي le people et le senat ensemble… بي كيو آر تعني سيناتوس بوبولوس كوكوي رومانو الشعب ومجلس الحكم متحدان. الكثير من اللوحات تعود إلى القرن التاسع عشر وتعود لمجموعة المالك، وتحاول الزهور التي تظهرها أن تكسر حدة الطابع الذكوري العسكري المسيطر على الغرفة.
الطفلة الكئيبة انقذت فرويد
أما السبب الثاني، الذي قد يكون وراء بيع الأميرة في صباها للقصر، فيعود إلى شخصيتها ذاتها، التي كانت أمور أخرى في ثلاثينيات القرن الماضي تشغلها أكثر من قصر يمجد عظمة والدها. إذ كانت في طليعة الحركة النسوية التحررية في حقبة الآرت ديكو تلك، من دون أن يمنعها ذلك من كتابة الكثير من الكتب والمقالات عن عائلتها وطفولتها.
في مذكراتها تذكر الأميرة أنها، وبسبب تلك الطفولة الكئيبة والمعقدة التي حظيت بها، اضطرت في صباها إلى البحث عن طبيب نفسي يساعدها في التخلص من آلامها. وكان سيغموند فرويد النمساوي، قد ذاع صيته آنذاك، بتأسيسه مفاهيم جديدة في التحليل النفسي. وهكذا ارتحلت الأميرة إلى فيينا بدافع العلاج، وما لبثت أن أعجبت بصنعة التحليل النفسي فتعلمتها، وأيضاً أصبحت صديقة مقربة من فرويد نفسه. هذه الصداقة التي جعلتها تنقذ حياته ذات يوم.
ويروي التاريخ، أنه أثناء الاحتلال النازي لفيينا، عام 1938، استخدمت الأميرة حصانتها كونها زوجة أمير اليونان، واحتمت بالسفارة الملكية اليونانية في فيينا، حيث أقامت، وطرقت وبشجاعة وحرية ميّزتها دوماً، على باب مكتب الضابط النازي وتطلب منه أن يرأف بصديقها فرويد وعائلته من الاضطهاد والقتل، الذي نال من الكثير من اليهود على يد جنود هتلر. وحين لم يتجاوب الضابط، عرضت الأميرة عليه رشوة مالية، ودفعت ثمن تهريب فرويد وعائلته من أموالها، إضافةً إلى إنقاذ مدوناته وكتبه.
أما قصر رولان بونابرت نفسه، في باريس، فلم يتعرض للاحتلال من قبل القوات الألمانية، أثناء الحصار النازي لباريس، ويعود ذلك ربما إلى صغر حجمه قياساً بالقصور والفنادق الكبرى التي كان يحتلها الجنود الراغبين بأكبر عدد من الغرف لاستضافتهم، بينما تضمن قصر رولان ثلاثاً فقط آنذاك.
وقد أنجبت ماري بونابرت في القصر من الأمير جورج ولديها يونجينيا الأميرة تاتيانا التي لا تزال اليوم على قيد الحياة وقد زارت قصر أجدادها بعد تحوله إلى فندق أخيراً وبيار لم يرزق بأبناء.
ومن الأسئلة التي يتم تداولها لدى زوار فندق شانغريلا باريس: ما هو السر الذي يقف وراء عدم مواجهة الجناح الإمبراطوري الأصلي لبرج إيفل وإنما للطريق. هذا أمر قد يدعو إلى الاستغراب، ولكن هناك بعض التفسيرات التي قد تكون مقنعة. فمثلاً، البعض يقول إن برج إيفل في ذلك الوقت كان مهدداً بالهدم، إذ أن بناءه كان مرتبطاً بمناسبة المعرض العالمي في باريس. كان برجاً مكروهاً. ولكن سيظل الأمر بلا إجابة في بعض المرات أتكلم مع مؤرخين، ويقولون لي: لا تبحث كثيراً، بعض الأمور قد لا يكون وراءها سبب حقيقي.