نوفمبر 27, 2020

أنصار الثورة

عين على الحدث

رحيل الأمير سعود الفيصل عميد الديبلوماسية السعودية

لم يرحل سعود الفيصل في يوم عادي للعالم الاسلامي. أمير الديبلوماسية رحل في يوم استثنائي في تاريخ المملكة والعرب والاسلام. ففي مثل هذا اليوم قبل 42 سنة (22 رمضان 1393) قطع والده الملك فيصل النفط عن أميركا، رداً على استمرار دعمها اسرائيل، متحدياً الغرب ومكرساً فلسطين القضية المركزية للعرب.
على خطى والده، جعل الامير سعود الفيصل (1940 – 2015) الوطن العربي والقضية الفلسطينية شغله الشاغل. مهندس السياسة الخارجية للمملكة الذي رحل عن 75 سنة،
نسج مدى 40 سنة ديبلوماسية استثنائية، الا أنه غاب في خضم وضع عربي معقد وحروب تفتك بأكثر من بلد عربي، من سوريا والعراق الى اليمن وليبيا. حروب ونزاعات تكاد لا تستثني اية دولة عربية،
فيما فلسطين لا تزال هي أيضاً تنزف.
أمضى سعود الفيصل أربعة عقود وزيراً للخارجية فبات عميداً للسياسة الخارجية للمملكة بلا منازع، والوزير الاول حول العالم يمضي في منصبه فترة كهذه. أُعفي من منصبه في نيسان الماضي لأسباب صحية، اذ عانى المرض فترة طويلة، إضافة الى إجراء جراحات عدة له في عموده الفقري. وعن صحته، قال مرة ممازحاً مجلس الشورى: “حالتي الصحية أشبه بحال الامة العربية”. وعلى رغم ابتعاده من الساحة، ظل مرجعاً سعودياً وعربياً لسياسيين كثر كانوا يقصدونه في باريس لاستشارته.
اضطلع الأمير سعود الفيصل بدور مهم في صوغ موقف المملكة في كثير من الأزمات المؤثرة في الشرق الأوسط، وكان له دور بارز في إنهاء الحرب اللبنانية عام 1989. عاش قضايا الشرق الأوسط والعالم العربي بكل تفاصيلها بدءا من القضية الفلسطينية ثم حربي الخليج الأولى والثانية، والغزو العراقي للكويت، والحروب الإسرائيلية ضد العرب. تميز بوقوفه الحاسم ضد الاتحاد السوفياتي السابق، وبميوله العربية القومية، وكان يوصف بمعارضته الشرسة أية اقتراحات إسرائيلية، بما في ذلك من منبر الامم المتحدة.
كان سعود الفيصل من أبرز المدافعين عن الشعب الفلسطيني وضرورة إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس، كما أكد مراراً أن “المملكة تعتبر القضية الفلسطينية قضيتها الأولى”. وخلال نقاش حاد في لقاء في الكويت لوزراء الخارجية العرب في نهاية السبعينات، حذّر عبد الحليم خدام من ان اسرائيل قد تحتل مكة، فأجابه سعود الفيصل: “لمكة رب يحميها”.
هو أحد أبناء الملك فيصل، ولد عام 1940 في مدينة الطائف الجبلية قرب مكة. حاصل على ماجيستير في الاقتصاد من جامعة برينستون في ستينات القرن الماضي. أمضى سنوات في وزارة النفط والثروة المعدنية في رعاية وزير البترول السعودي أحمد زكي يماني الصديق المقرب من والده.
كان عام 1975 حاسماً في حياته، عندما صدر مرسوم ملكي بتعيينه وزيراً للخارجية، بعد وفاة والده الملك فيصل الذي كان يتولى المنصب نفسه إلى جانب قيادته البلاد.
وبصفة كونه وزيراً للخارجية، شارك في عضوية الكثير من اللجان العربية والإسلامية مثل اللجنة العربية الخاصة ولجنة التضامن العربي واللجنة السباعية العربية ولجنة القدس واللجنة الثلاثية العربية حول لبنان.
ومع بدء الاضطرابات العربية أو ما سمي “الربيع العربي”، اتخذ موقفا لافتاً من المطالب العادلة وخصوصاً في ليبيا وسوريا. وتصدى بقوة لانقلاب الحوثيين في اليمن. وخلال أحداث البحرين، اتخذ مواقف حازمة من طهران، وقال مرة: “أي زورق ايراني يدخل المياه الاقليمية البحرينية لن يرجع الى ايران”.
في آذار 2012، دفع سعود الفيصل في اتجاه تسليح المعارضة السورية. وحذر من تنامي دور إيران في العراق، متهما طهران بفرض سيطرتها على بغداد من طريق مساعدتها في الحرب ضد “الدولة الاسلامية”.
ومن آخر مواقفه حدة رده على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال القمة العربية الاخيرة في شرم الشيخ، متهما إياه بالوقوف الى جانب الرئيس السوري بشار الاسد ضد المطالب المشروعة للسوريين.
الحريري
¶ نعى الرئيس سعد الحريري وزير الخارجية السعودي السابق الراحل الأمير سعود الفيصل، وتوجّه بالتعزية الى الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز وولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز والشعب السعودي “بوفاة أمير الديبلوماسية وعميدها”.
وقال: “بغياب الأمير سعود الفيصل تنطوي تجربة عريقة من العمل السياسي والديبلوماسي، شكّلت لسنوات طويلة علامة فارقة للحضور العربي في العلاقات الدولية”. وأضاف أن “لبنان يخسر بغياب الأمير سعود الفيصل نصيراً لقضاياه، وأخاً كريماً عرفه اللبنانيون مهندساً بارعاً من مهندسي الوفاق الوطني في مؤتمر الطائف”.