سبتمبر 29, 2020

أنصار الثورة

عين على الحدث

المتوسط كمقبرة جماعية

هشام ملحم

المتوسط بحر صغير لكنه تاريخيا وثقافيا ينافس اكبر المحيطات. على شواطئه نمت امهات المدن: صيدا وصور، وقرطاج واثينا والاسكندرية والقسطنطينية. عبر التاريخ كانت الجيوش تبحر فيه من الشرق الى الغرب وبالعكس، لكن الاهم كانت حركة التجارة وسفر الافكار والثقافات والحضارات. في مياهه ابحرت سفن اليونان والفراعنة والرومان والعرب والفرنسيين وسفن القراصنة والمهربين، وقرأنا الاساطير والقصص الحقيقية للسفن التي التهمتها اعماقه او حطمتها صخور شواطئه.
المتوسط اليوم هو حدود مائية خطيرة يحاول آلاف اللاجئين، ومعظمهم من العرب والمسلمين، عبورها الى الشواطئ الجنوبية لاوروبا هربا من حروبهم ونزاعاتهم وطغيان انظمتهم السياسية. في السنة الماضية عبره اكثر من 219 الفا، غرق منهم اكثر من ثلاثة آلاف. هذه السنة العدد اكبر بكثير اذ من المتوقع ان يرتفع عدد الغرقى، وهو حتى الان 1776، الى نحو 30 الفاً. قبل ايام التهم المتوسط 800 لاجئ في أسوأ مأساة من نوعها وفقا لاحصاءات المفوضية السامية للامم المتحدة لشؤون اللاجئين.
اللاجئون والضحايا الذين يلتهمهم المتوسط يأتون من العراق وسوريا، وليبيا والسودان ودول اخرى. يدفعون مدخراتهم للمهربين وقراصنة العصر الذين يهربونهم كما كان تجار العبيد يفعلون قبل قرون ويعبرون بهم في مياه لا تغفر وعلى زوارق وسفن قديمة لا تصلح للابحار. الحلول الاوروبية الموقتة، مثل زيادة اعمال المراقبة والدوريات البحرية ومعاقبة المهربين لن تحل المشكلة ما لم تعالج مصادر المآسي التي تدفع الناس الى اللجوء والمجازفة بارواحهم. رئيس وزراء ايطاليا ماتيو رينزي عبر عن المأزق بقوله: “اذا لم نحل المشكلة في ليبيا، فاننا لن ننجح ابدا في حل هذه المشكلة الرهيبة”.
واذا لم تعالج حروب العراق وسوريا وغيرهما، سوف تبقى اجراءات اوروبا هامشية وغير فعالة. اليوم تبدو فداحة اخفاق الرئيس اوباما – الذي شاركت حكومته في الثورة التي ادت الى اطاحة نظام القذافي – في متابعة التطورات الليبية سياسيا ومساعدة النظام الجديد على عبور المرحلة الانتقالية الصعبة. اوباما انسحب ولم يستثمر سياسيا في ليبيا، وارتكب خطأ مماثلا لخطأ الجمهوريين الذين أداروا ظهورهم لافغانستان بعد طرد المحتل السوفياتي وتركوها فريسة لاستخبارات باكستان و”رأفة” الطالبان.
طبعا العرب مسؤولون في الدرجة الاولى عن اوضاعهم الشنيعة والمحرجة، ولكن هناك مسؤولية اميركية اخلاقية وسياسية عن مأساة العراق الذي ساهم الغزو الاميركي في زجه في اتون الاقتتال المذهبي. واوباما مسؤول، ولو جزئيا، عن مأساة سوريا لان تخلفه عن تنفيذ وعوده او تهديداته ساهم في ايصال سوريا الى اعماق اليأس. اوباما شريك العرب في تحويل المتوسط مقبرة جماعية.