سبتمبر 26, 2020

أنصار الثورة

عين على الحدث

التمثيل الأحادي للمسيحيين ليس واقعياً

سركيس نعوم

اعتبر “التيار الوطني الحر” نفسه دائماً “الممثل الشرعي والوحيد” لمسيحيي لبنان أو لغالبيتهم. ولم يُقم وزناً فعلياً للأطراف المسيحيين الآخرين الذين خرج من وسطهم أساساً. فالجماهير المسيحية التي غصّ بها قصر بعبدا والطرق المؤدية اليه بعدما عيَّنه رئيس الجمهورية الشيخ أمين الجميل رئيساً لحكومة انتقالية، وكانت سابقاً جماهير حزب الكتائب و”قواته” التي صارت في ما بعد ندّاً له، هذه الجماهير أقنعته بأنه ورث الفريقين المذكورين، وأن ارثه نهائي. و”التسونامي” الانتخابي النيابي الذي حققه بعد عودته من المنفى، والذي لا يزال مستمراً بفضل دعم حلفائه في فريق 8 آذار عزَّز عنده الاقتناع المشار اليه.
طبعاً يعرف المعارضون لـ”التيار” وزعيمه العماد ميشال عون أن شعبيته المسيحية لا تزال واسعة رغم “طلعاتها ونزلاتها”.
لكنهم يعرفون أيضاً أن شعبية منافسيه المسيحيين ليست قليلة رغم اختلافه معهم على أمور عدة ليست كلها جوهرية. فـ”القوات اللبنانية” تحتل المرتبة الأولى بين هؤلاء، وحزب الكتائب المرتبة الثانية، والمستقلون المرتبة الثالثة على تفرُّقهم. أما شعبية الحليف اللدود لـ”التيار الوطني”، أي “تيار المردة” بزعامة النائب سليمان فرنجيه، فانها ليست بسيطة على محلِّيتها. وهي ليست دائماً على انسجام معه. وقد يكون الرابط الوحيد بينهما حلفاءَهما الأقوى في الداخل والخارج أي “حزب الله” وسوريا الأسد والجمهورية الاسلامية الايرانية.
ما مناسبة هذا الكلام اليوم؟
مناسبته تصرّف “التيار الوطني الحر” في عملية تأليف الحكومة باعتباره الممثّل الوحيد للمسيحيين، ومطالبته بحصة الأسد من وزرائهم فيها، وادعاؤه أن رفض مطالبه أو تقليصها يلحق ضرراً كبيراً بدورهم في البلاد. وهذا أمر لم يثر حنق أخصامه المسيحيين وهم كثر لأنهم يعرفون وزنهم الشعبي وان كانوا يبالغون فيه مثله ولكن ليس بالمقدار نفسه. بل أثار ويثير استياء مسيحيين كثيرين نظراً الى الاستخفاف الذي يظهره حيال مرجعيات مسيحية مهمة. فرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان مرجع وطني، لكنه أيضاً مرجع مسيحي وخصوصاً بعد تحوُّل المرجعين الوطنيين الآخرين مرجعاً مسلماً شيعياً ومرجعاً مسلماً سنّياً.
ووجوده، الى الرئاسة، في الحكومة عبر ممثلين له وسعيه الدؤوب الى تأسيس حالة شعبية مسيحية له على الأقل في مسقطه قضاء جبيل، وان لم يحقق النجاح الذي يطمح اليه، يجعله قادراً بمشاركة جهات مسيحية أخرى في الحكومة على حماية مصالح المسيحيين والدفاع عنها. وحزب الكتائب، وان ضمُر حجماً شعبياً ونفوذاً عن “سنوات العز”، هي سنوات الحرب، لا يزال يمثِّل مسيحيين. واشتراكه في الحكومة “الجامعة” شبه مؤكد، وخصوصاً في ظل استمرار “القوات” في رفض التوزُّر فيها.
والبطريرك الماروني مار بشاره الراعي، وان يكن لا يصوِّت في مجلس الوزراء وليس له ممثلون فيه وفي مجلس النواب، يبقى ممثلاً مهماً للمسيحيين، وخصوصاً بعدما أضاف الى دوره المسيحي والوطني دوراً سياسياً شبه يومي، منطلقه الأساسي المحافظة على الوجود المسيحي في البلاد.
كيف سينعكس موقف “التيار الوطني الحر” على الأزمة الحكومية؟
سينعكس مزيداً من التعقيد، وفي النهاية استحالةً لتأليف “الحكومة الجامعة”. اذ أن حليفه “حزب الله” يتبنى مطلبه ولن يشترك في حكومة يقاطعها، وسيكون معه في ذلك حلفاؤه وان كان بين غالبيتهم وبين “التيار” و”عونه” ما صنع الحداد. الا اذا فاجأ “تيار المستقبل” حلفاءَه والخصوم بالموافقة على مطالب عون رغبة في اظهار حرص على سلم اهلي من جهة، وفي تشليح “حزب الله” عون من جهة أخرى.
لكن ما هي الأبواب التي يفتحها الانعكاس السلبي المشار اليه أعلاه؟
يفتح أولاً باب “حكومة الأمر الواقع” اذا امتلك رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف الجرأة لتأليفها واصدار مراسيمها.
ويفتح ثانياً باب تعويم واقعي (دوفاكتو) للحكومة المستقيلة وخصوصاً اذا تعذَّر انتخاب رئيس جديد للجمهورية.
ويفتح ثالثاً باب التمديد للرئيس سليمان بعدما كان أُقفِل ولكن ليس باحكام.
لكن قبل الجزم بأي من الأبواب المذكورة لا بد من انتظار المفاوضات الاخيرة لاقناع عون بتسهيل الحكومة “الجامعة”. وهي ترتكز على اعطائه حقيبة سيادية (الدفاع) وحقيبة خدماتية وازنة (الأشغال العامة) وحقيبة خدماتية ثانوية.