أكتوبر 1, 2020

أنصار الثورة

عين على الحدث

ابسط يدَكَ ومَسَّ كلَّ ما لهُ

لما كشَفَ الله نوايا الشيطان الخبيثة إيذاء أيّوب البَّار قال الشَّيطان للرَّبِّ: “هل مجَّاناً يتَّقي أيّوبُ اللهَ. أليس أنَّكَ سَيَّجْتَ حَولَهُ وحولَ كلِّ ما لَهُ من كلِّ ناحيةٍ. باركتَ أعمالَ يدَيهِ فانتشرت مواشيِهِ في الأرض. ولكن ابسط يدَكَ الآن ومَسَّ كلَّ ما لهُ فإنّهُ في وجهِكَ يُجدّفُ عليكَ. فقال الرَّب للشَّيطان هُوَذا كلُّ ما له في يَدِكَ. وإنمَّا إليهِ لا تَمُدَّ يَدَكَ” (أيّوب12:1). ضربَ الشَّيطان أيّوب بمصائب عديدة حتَّى أنه خَسِرَ بَنينهٍِ وبناتهِ وأملاكِهِ، “فقام أيّوب ومَزَّقَ جُبَّتهُ وجَزَّ شعرَ رأسهِ وخَرَّ على الأرضِ وسجَدَ وقالَ عُريَاناً خَرَجتُ من بطنِ أُمّي وعُرياناً أعودُ إلى هناكَ. الرَّبّ أعطى والرَّبّ أخَذَ فليكُن اسم الرَّبِّ مُبَارَكَاً” (20:1).
ثمَّ اشتكى إبليس ثانيةً ضد أيّوب وقال لله: “جِلدٌ بجِلدٍ وكلُّ ما للإنسانِ يُعطِيهِ لأجل نفسِهِ. ولكن أبسِطِ الآن يَدَكَ ومَسَّ عظمَهُ ولحمَهُ فإنهُ في وجهِكَ يُجدّفُ عليكَ. فقال الرَّبُّ للشَّيطان ها هو في يدِكَ ولكن احفظ نفسَهُ” (4:2). فضربَ الشَّيطان أيّوب بِقُرحٍ رديءٍ من باطنِ قَدَمِهِ إلى هَامَتِهِ فجلَسَ وسط الرَّمَاد. أوَّلاً أرجو ألا يظُن أحد أن الله تعالى تحرّك حسَبَ رَغَبَات إبليس ومخططاتهِ بل إبليس نفسه يحتاج لموافقة من الرب قبلما يُغربل المؤمن الحقيقي (راجع لوقا 31:22). علماً أن الرب لا يسمح بأمرٍ ما في حياتنا إلا لكي يُخرِج منّا (إثْرَ الامتحان والشِّدَّة) نتائج مُبَارَكَة. لا بُدَّ للمؤمن أن يجتاز بامتحانات وضيقات للتمحيص والتشديد؛ بها يكشف الله لنا ما باطننا من أمور باطلة. لهذا لا تحزن على شيء بل إسأل الرب واطلب وجهه ومشورته لتسمع الإجابة الصادقة في داخلك. لأن الله يريد أن بأتي بك إلى التوبة والنضوج الروحي لمجد اسمه العظيم.
لهذا نجد بنهاية سفر أيّوب انتصار الله على الشيطان رغم مؤامراتهِ وعَلِمَ أيّوب أيضاً أبعاد خطة الله الصالحة لحياتهِ حيث عادَ الله وباركهُ بزيادةٍ (أيوب42). الله المُحبّ يقودنا بِتجارب متنوّعة ويعلمنا دروساً روحيَّة لنذكر أننا تُرابِ وبحاجة أن نضع ثقتنا بهِ فقط وكلّ حين. متى تعلَّمنا الإيمان والتسليم لمشيئة الله المقدسة حينئذٍ نقول مع داود: “الربُّ راعيَّ فلا يُعوِزُني شيءٌ…أيضاً إذا سرتُ في وادي ظِلِّ الموتِ لا أخافُ شَرَّاً لأنَّكَ أنت معي…إنما خيرٌ ورحمةٌ يتبعانني كلَّ أيامِ حياتي…ألخ” (مزمور 23). إذاً، مهما اجتزنا بِشَدَائِد وضيقات نؤمن أنها تتحوَّل أخيراً لخيرنا: “ونحن نعلمُ أن كلَّ الأشياءِ تعمَلُ معاً للخيرِ للذين يُحبّونَ اللهَ الذين هم مَدْعُوّونَ حسَبَ قصدهِ” (رومية28:8).
قال الشيطان للرب:”جِلدٌ بجِلدٍ وكلُّ ما للإنسانِ يُعطِيهِ لأجل نفسِهِ” لأن الشيطان يعلم أن الطبيعة الإنسانية ضعيفة أمام الأخطار وأنه إن امتدت يدُ بالأذى إلينا نتحوَّل عن الله تعالى ويعلم أنَّ غالبية النَّاس يتبعون الله للاستفادة من بَرَكَاتِهِ وخيراتهِ. وقال الشَّيطان للرب:”كلُّ ما للإنسانِ يُعطِيهِ لأجل نفسِهِ”. هذا حقّ حتى وإن جاءت هذه المشورة من عَدُّو الحَقّ إذ رأينا هذا بحادثة شخص كُولِنْ جُونزْ. فيما كان الشاب كُولِنْ يعمل في إحدى المناجم الأسترالية بِعُمقٍ يُقاربُ 300 متراً تحت الأرض انقلبت به آلة الحفر وعلقت ذراعه تحتها وأصيب بنزيف دموي ولم يتمَّكن من طلبِ النجدة. ولئلا يموت أخذَ سكينه وقطعَ ذراعه العالقة لِيتمكَّن من تحَرير جسده العَالِق. رغم أن هذه الحادثة تُرينا كم أنَّ الحياة الحاضِرَة غالية على قلوبنا لكنها ترينا أيضاً كم أن الحياة الأبدية رخيصةٌ ومجهولةٌ لدى الكثيرين حيث لا يسعى إليها إلا قِلَّة قليلة هنا وهناك.
بهذا الشأن قال المسيح: “فإن أعْثَرَتكَ يَدُكَ فاقطعها. خيرٌ لكَ أن تدخُلَ الحَيَاةَ أقطَعَ مِن أن تكونَ لكَ يَدَانِ وتمضي إلى جَهنَّمَ النَّارِ التي لا تُطْفَأُ. حيثُ دُودُهُم لا يموتُ والنَّارُ لا تُطْفأُ” (مرقس 43:9). لم يقصد الرَّب أنه علينا أن نقطع أعضائنا وأطرافنا حرفيّاً بل يُريدنا أن نسعى بجدٍ ونشاط لامتلاك الحياة الأبدية أكثر من الحاضرة. فكما أن آلةُ الحفر ضغَطت ذراع كُولِن هكذا تضغطنا أثقال الخطية ونحنُ بحاجة لِسكِّينٍ خَاص لتحريرنا: “لِنَطْرَح كُلَّ ثِقْلٍ والخطية المُحِيطَة بِنا بسُهُولَةٍ” (عبرانيين1:12).
الخطية أثقلُ الأحمال على كاهلنا وأشدَّها ضَرَرَاً وتحصرنا وتشدنا بحبال الشَّهوَة الرَّدِيَّة وتؤدي بنا الى عالم الموت والهَلاَك. للأسف قليلون هم الذين يُضَحّونَ بالغالي والنفيس للتخلّص من أحمال الشَّهْوَة والموت لينالوا الحياة الأبدية كقول المسيح: “فإن مَن أراد أن يُخلّص نفسَهُ يُهلِكُها. ومَن يُهلِكُ نفسَهُ من أجلي يجدُها. ماذا ينتفع الإنسان لو ربِحَ العالم كلهُ وخسرَ نفسَهُ. أو ماذا يُعطي الإنسان فدِاءً عن نفسهِ”(متى25:16). إذَا، كما أن كُولِن قطع ذراعه بسكينٍ حَادَّة لينجو من مَوتٍ جَسَدِي ينبغي أن نقطع نحن بِسكِّين الإيمان الطبيعة البَشَريّة الفَاسِدَة فينا التي تشدنا للشَّرِّ والموت والهلاك، وذلك لا يتمُّ إلا بالمسيح: “الذي فيهِ لنا الفِدَاءُ بِدَمِهِ غُفْرَانُ الخَطَايَا” (أفَسُس5:1). عزيزي، المسيح قُطِع بموت الصلب لكي لا نُقْطَع نحن بالموت الأبدي وهذا يوافق نُبُوءة إشعياء بأن المسيح سيتخذ لنفسه جسدا ويُقْطَع من أرضِ الأحياء ويُضْرَبُ لأجْلِ ذَنُوبِنا ويدفع عقاب خطايانا فوق الصليب (إشعياء 8:53) لننال به حياة أبدية. فهل من مُجيب حكيم؟! لِنُصلي: “أيّها الرَّب يسوع يا مَنْ جئتَ لِتموت بالنيابة عنّي وتُقْطَع من أرضِ الأحياء لأنال بِكَ التَّحْرِير الرُّوحي وَهِبَة الحياة الأبدية، ارحمني واغفر خطاياي بذبيحتكَ المقدسة واملأني بروحكَ القُدُّوس لأحيا لمجدكَ في البِرِّ والقَدَاسَة طيلَة أيام حياتي”. وأخيراً أُهدي للآبِ والابن  والروح القدس الإله الواحد المُثَلَّث الأقانيم المجد والسجود والتعبّد الآن والى أبد الآبدين آمين.
مع محبة المسيح:  راعي كنيسة غيلفورد العربية المعمدانية      القس الدكتور جون نَمّور.
130-132 Orchardleigh street, Guildford 2161, Ph 96320300, www.arabicbaptist.net