سبتمبر 28, 2020

أنصار الثورة

عين على الحدث

موعدٌ مع هنّا شيغولا في طيف فاسبيندر: أنا كنتُ دميته وهو كان ضوئي المظلم!

تسالونيك – هوفيك حبشيان

لم تشارك هنّا شيغولا خلال السنوات الفائتة الاّ في عدد قليل من الأفلام. أربع أو خمس مساهمات تمثيلية فقط منذ مطلع الألفية الثالثة، آخرها في “فاوست” للمعلم الروسي ألكسندر سوكوروف. العمر، التكرار، طيف السنوات المجيدة التي فرض عليها الاّ تقبل بمشروع يمرغها في وحول التسرّع، بالاضافة الى شخصيتها المعقدة المتطلبة، وصورتها التي لم تسقط من وجدان جمهور السينما…
هذا كله جعلها تكتفي برصيدها الذي يقارب الـ50 فيلماً جعلتها واحدة من أكثر ممثلات جيلها نقاءً وموهبةً وجمالاً. لا تزال شيغولا الى اليوم الرمز الأقوى الذي يحضر الى الذاكرة عند الحديث عن السينما الألمانية الجديدة. سينما ظهرت قبل أكثر من أربعين عاماً، وراحت تنبت كالأعشاب البرية من تحت ركام الواقع الألماني السقيم، في نهاية الستينات. أبطال تلك المرحلة: مارغريت فون تروتّا، فرنر هيرتزوغ، فولكر شلوندورف، ألكسندر كلوغ. وطبعاً، رائد الحركة: راينر فرنر فاسبيندر. ما كانته جان مورو بالنسبة لـ”الموجة الفرنسية الجديدة”، ستصبحه شيغولا أمام كاميرا فاسبيندر. الممثلة السبعينية التي كرّمها أخيراً مهرجان تسالونيك الخامس والخمسون
(1 – 9 الجاري)، حلّت ضيفة على المدينة الساحلية في اليونان… لتغني. نعم، لتغني! فصاحبة الوجه الذي اضاء 16 من أفلام فاسبيندر، بين 1969 و1981، اكتشفت منذ التسعينات انه في امكانها ان تستعمل أوتار صوتها الدافئ ليستمر حضورها في الفنّ الذي تحبه.
عند ذكر اسم جان مورو التي يجمعها بها حبّ الغناء، تسارع شيغولا في التأكيد ان مورو هي أكثر ممثلة جعلتها تحلم بالتمثيل. “عندما شاهدتُ “جول وجيم” و”الليل”، حسمتُ قراري”. أجلس معها في أحد صالونات فندق “ألكترا” القديم، الواقع في وسط المدينة على بعد أمتار قليلة من صالة “أولمبيون”، حيث ستعتلي مسرحها هذا المساء لتقديم ما يطيب لها من ريبرتوارها الغنائي. أسألها عن السبب الذي دفع بها الى الوقوف خلف الميكروفون بدلاً من أن تطل على الشاشة، فتجيب: “بدأتُ أغني في مرحلة من حياتي، كنت مضطرة فيها أن أمنح الجزء الأكبر من وقتي لوالديَّ العجوزين. كوني ابنتهما الوحيدة، كانا في حاجة ماسة اليّ.
كانا يتراجعان صحياً، على الرغم من اهتمامي بهما. صارت الأغنية ملاذي الوحيد آنذاك. لم أرد أن أتعلم العزف على آلة موسيقية وأنا في الخمسين. فقررتُ توظيف صوتي. لم أكن في حاجة قطّ الى قراءة النوتة الموسيقية كي يصدح صوتي عالياً. بدا لي الغناء تحقيقاً لحلم الطفلة الصغيرة التي في داخلي. دائماً انصح الآخرين: لا تنسوا ماذا كان حلمكم عندما كنتم أطفالاً”. مع ذلك، عندما وقفت شيغولا في العام 1981 أمام كاميرا فاسبيندر في آخر فيلم أنجزه، فذلك كي تغني أشهر أغنية حبّ ألمانية:
“ليلي ماريلين” التي خلدتها ماريلين ديتريتش وقبلها لالي أندرسون، المغنية التي يروي فاسبيندر في فيلمه هذا علاقتها الغرامية بالمؤلف اليهودي رولف ليبرمان. بحنين مدروس الى تلك الحقبة التي دفعتها الى المجد، تتذكر شيغولا الأغنية الاسطورية وتقول انه لا مثيل لها في زرع النوستالجيا داخل القلوب، وتتابع: “لكنها حملت ايضاً نبوءة مدمرة عن الحال التي كانت ستؤول اليها ألمانيا في زمن النازية. ظلت الأغنية شعبية ومحبوبة في الألمانيتين، واجتمع حولها حتى الناس الذين كانوا يرمون بعضهم البعض بالرصاص. كانت أغنية تعبّر عما يجب أن يشعر به جندي خلال الحرب وتدفعه الى أن يقول في نفسه: قد أموت غداً، تالياً عليّ أن أفكر في الأشخاص الذين أحبهم”.
تكريمها بجائزة فخرية في مهرجان برلين في العام 2009 جاء كمَن يضع آخر مسمار في نعشها.
في غيابها عن الشاشة لفترات متقطعة، تكتفي بأن تلقي باللوم على المجهول المعلوم، متحاملة على ذلك الجانب النيهيلي من شخصيتها المعقدة والسهلة في آن واحد. “فقط لو كنتُ أعلم ما هو السبب”، تؤكد بنوع من لامبالاة لا تشوبها شائبة.
“لا أفهم البشر عندما يربطون حجم نشاط الانسان بعمره. فهناك العديد من الممثلات في مثل عمري لا يزلن تحت الضوء. في ما يخصني، لم أكن يوماً مهتمة بالأعمال الاستهلاكية. لا يهمني أن أجسد دوراً في مسلسل تلفزيوني بطله يحقق في احدى الجرائم الملتبسة.  أدوار كهذه تجعلك شخصاً شهيراً، ينظرون اليك أينما حللت، يزداد الطلب عليك، ولكن ما الفائدة من هذا كله؟ في النهاية، عليك تحمل تداعيات اخضاع نفسك لهذا الصنف من الأعمال المملوءة بالكليشيهات.
بعد عملي مع فاسبيندر لسنوات طويلة، تولّدت عندي مناعة ضد هذه الأعمال. ببساطة، كنتُ في غنى عنها. كان يمكنني أن أمشي على خطى الآخرين، لكنني اتخذتُ خياراً مختلفاً.
هذا لا يعني أنني أحطّ من شأن الذين يستمرون في العمل بعد بلوغهم سناً معينة. أفهم رغبتهم وحاجتهم الى ذلك وأقدرهما. أمّا أنا فحاجتي في مكان آخر: أن أنتزع الحرية التي تسمح لي بأن لا أكون مجبرة على القيام بشيء لا أريد القيام به. هذا أهم ما في الحياة”.
يصعب الجلوس الى وليمة شيغولا السينمائية، من دون العودة الى ماضيها المتألق واسترجاع شريط الذكريات الى النقطة التي تعود اليها دائماً في مقابلاتها مع الصحافيين.
يخشى المرء أن تكون هذه العودة المتكررة الى علاقتها بفاسبيندر مصدر تأفف وازعاج، ذلك ان شغلها طوال نصف قرن، حملها الى ضفاف أخرى لم تحظَ دائماً بالاهتمام المطلوب. لكن شيغولا لا تمانع في الحديث عن الرجل الذي كانت ملهمته. “إنه وسيلة كي يبقى ذكرى فاسبيندر مشتعلاً وفكره حياً. مع الوقت، هكذا بتُّ أقارب المسألة. لا يمكننا أن نمضي حياتنا ونحن نبكي رحيل الآخرين”.
اعتراف على شكل ضوء أخضر ينفّس الاحتقان لدى محاورها، فيروح يرشقها بأسئلة الماضي السحيق، هذا الماضي الذي تصفه باتريسيا كاس في أغنية لها بـ”الشتيمة”. الأجوبة دائماً منقحة رصينة هادئة. أحياناً، تحاول اسقاط الاسطورة عن المرحلة التي ولدت فيها السينما الألمانية مجدداً، وازالة الهالة الميحطة بها. تقول: “عندما كنّا ننجز هذه الأفلام، ولاسيما أفلام فاسبيندر، لم نكن ندرك البتة الأهمية التي كانت عليها. ظاهرة فاسبيندر كانت شيئاً مبهراً. تخيل هذا الشخص الذي يعمل باستمرار ولا يكف عن التصوير. أنجز 40 فيلماً بين التلفزيون والسينما.
مسلسله “برلين ساحة ألكسندر” الذي يتألف من 13 حلقة تلفزيونية تحفة خالصة. انهاه في أقل من سنة وسلّمه حتى قبل الموعد المحدد. كانت الأشياء تحصل بشكل مباغت. لم تكن هناك خطة. ولكن دعني أذّكّرك بأنهم كانوا يقّدّرون فاسبيندر خارج ألمانيا أكثر من داخلها. لم يدرك الألمان أهميته الا عندما بدأ بعض النقاد في باريس ثم في نيويورك بالكتابة عنه والاشادة بعمله. فجأة، صرخ الألمان: “لدينا كنز وطني ولم نكن نعلم ذلك!”. أياً يكن، كنا نشعر بأننا نصنع شيئاً جديداً ومختلفاً في السينما، علماً ان حماسة النقاد لم ترافقها بالضرورة حماسة جماهيرية. فاسبيندر كان رومنطيقياً، لكنه رومنطيقي غاضب. لا تنبع رومنطيقيته من خيبة أمل تعرض لها”.
تعرّفت شيغولا إلى فاسبيندر في معهد التمثيل. هو الذي جعلها ممثلة عبر اسناد دور ماري إليها في أحد أول أفلامه 1969. هذه حقيقة ترددها شيغولا بابتسامة تقفز الى خديها.
“كان يديرني بالكثير من الكوريغرافيا. كما في مسرح الدمى، كان يهندس الحركة التي ينتظرها مني. عدا ذلك، كان يتركني وشأني”. كانت شيغولا طالبة يسارية تسعى الى قلب المفاهيم الاجتماعية وتنشّق الحياة بكامل رئتيها عندما التقت فاسبيندر. “كلٌّ منّا كان مختلفاً عن الآخر. وضع لأحد أفلامه العنوان الآتي: “الحبّ أكثر برودة من الموت”. كان الحبّ، لي، عصا سحرية تقلب مجرى الحياة. عنده، كنتُ دمية من لحم ودمّ، أداة مثالية مع جانب غير قابل للترويض”.
صحافي كان يرافقنا قال لشيغولا ان تجربة فاسبيندر تذكّره بأغنية لنيل يانغ يقول فيها “أفضل أن تنطفئ من أن تتلاشى”. فمخرج “سرّ فيرونيكا فوس” مات في السابعة والثلاثين وترك خلفه أعمالاً هي في النهاية “ضمير” الأمّة الألمانية. “عشْ سريعاً، متْ مبكراً، واتركْ جثة جميلة”، كان يقول الممثل جون ديريك في أحد ادواره.
شيغولا لا توافق على هذه الاطروحة: “هذا ما كان هو يؤمن به، وليس أنا.
على كلّ حال، هو عبّر عنها بصراحة يوم كان يريد أفلمة رواية “كوكايين” للكاتب الايطالي بيتيغريللي.
سألوه “ما رأيك بالمخدرات؟”
،أجاب ان تناولها يقصّر الحياة لكنه يملأها ويجعلها مكثفة. نوع المخدرات التي كان يتعاطاها لم يكن يثير الهلوسة، بل يجعلك تعتقد بأنك صاحب نشاط لا حدود له. كان يردد دائماً ان الانسان حرّ في أن يختار النسخة القصيرة لحياته أو الطويلة منها. ادغار رايتس قال مرة عن ألمانيا إن بعض الصفحات من تاريخها تعرضت للمزق. من خلال أفلامه، تولى فاسبيندر اعادة تلك الصفحات الى الكتاب. الفرنسيون شبّهوه ببالزاك و”كوميدياه الانسانية” وربطوا بين مشكلاته الوجودية ومشكلات فان غوغ، ووجدوا فيه شيئاً من كافكا. فاسبيندر كان لي ضوءاً مظلماً، لكنه يبقى ضوءاً”.
“أنا الآن”، تقول شيغولا، “بصدد تأليف مسرحية انطلاقاً مما كتبه فاسبيندر حينما كان في السابعة عشرة. في تلك الفترة من حياته كان بدأ يكتب القصائد والدراسات. كان يفعل المستحيل كي يثبت لوالدته أنه ليس صبياً فاشلاً.
المسرحية تستند الى كتاب سيُعاد نشره في طبعة جديدة لمناسبة ذكرى ولادته السبعين التي تصادف السنة المقبلة. انطلق من رغبتي في أن أعّرفه الى الجيل الجديد من الشباب الذين لا يعرفونه، وخصوصاً اولئك الذين لا ينتمون الى الثقافة البورجوازية”.
طوال مسيرتها، اضطلعت شيغولا بأدوار يختلف أحدها عن الآخر:
رأيناها باردة، وحيدة، مترددة، مذنبة.
ما من دور تفضله ممثلتنا على الآخر. “كوني أحبّ الأضداد، أميل الى فيلمين:
“زواج ماريا براون” لفاسبيندر و”حكاية بييرّا” لماركو فيرّيري [نالت عنه جائزة التمثيل في مهرجان كانّ 1983].
فيلمان يظهران طريقتين مختلفتين في مقاربة الحياة. في “ماريا براون”، امرأة تؤجل الى الغد ما تسمّيه “حياة حقيقية”. تحفظ نفسها لحياة مقبلة، ما يجعلها تقوم بالكثير من التنازلات. أما بييرّا، فسيدة تعيش اللحظة الراهنة. لكن راديكالية عيشها تجعلها تنتهي في مصحّ الأمراض العقلية. أحبّ أيضاً هذين الفيلمين، لأن فيرّيري على غرار فاسبيندر كان خلاّقاً. انه أحد شعراء الشاشة. كان رجلاً يصعب أن تتوقع ما سيبادر اليه. الاختلاف بينهما ان فيرّيري كان فوضوياً يعطيك في البداية 20 صفحة سيناريو، وعندما يحين موعد التصوير، تجد في انتظارك شيئاً مختلفاً. أمّا فاسبيندر فكان يتبع السيناريو، بالاضافة الى أشياء كانت تعبر مخيلته. الاثنان كانا كاريزماتيين. ناس مثلهما تحركهم الكاريزما، والكاريزما فقط”.
مثّلت شيغولا في ادارة العديد من السينمائيين الأوروبيين، من مثل الاسباني كارلوس ساورا والبولوني اندره فايدا والايطالي ايتوري سكولا وأخيراً الألماني – التركي فاتي أكين الذي لا تمانع بمعاودة الكرّة معه. عدد منهم حفروا داخل عنفوانها، وآخرون ذهبوا مثلما جاؤوا. في حديثنا معها، تذكرت غودار الذي أدارها في “شغف” (1982)، وقالت عنه: “غودار كان مجدِّداً، حداثياً، لا مثيل له. أثناء العمل معه، تشعر انه لا يفعل الأشياء كما يفعلها الآخرون. في الفنّ، اذا لم تكن موهوباً، فمن المستحسن أن تمارس مهنة اخرى، كأن تعمل في الشأن العام مثلاً. اذا كنتَ فاشلاً، فالأفضل لك أن تخوض مجال السياسة”. تعيش شيغولا في باريس منذ 33 عاماً. هناك وجدت الطمأنينة وراحة البال. تطبعت بالمجتمع الفرنسي، وهي ليست دائماً متسامحة مع بلدها الأصلي الذي لا تبخل عليه بنقدها الحاد. أمّا السينمائيون الألمان، فباتوا غير قادرين على التحدي والمواجهة و”يفضّلون النجاح الشخصي على أيّ شيء آخر”. عن هذه الألمانيا التي تنظر اليها بسخرية، تقول: “بلادنا ليست من البلدان التي تحب التغيير.
هي الآن تمرّ في مرحلة مستقرة من تاريخها، قد تكون في نصف غيبوبة. فوضعها الاقتصادي ثابت نوعاً ما، وهذا لا يعني انه ليس هناك فقر وأحوال متردية عند بعضهم.
التردي ليس ظاهراً كما في فرنسا حيث ترى أشخاصاً يفترشون الأرض ليناموا عليها. هذه مشاهد يتحطم قلبي عندما أراها. في ألمانيا، لم نصل بعد الى هذا، ولكن هناك أناس ليس باستطاعتهم الصمود في وجه التحديات المعيشية والغلاء، الخ.
اذا حدثت أزمة اخرى من تلك التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة، فلن تنجو منها ألمانيا. ثقافياً، برلين هي المكان حيث الأشياء تتحرك.
أمّا على صعيد ألمانيا كلها، ففي نظري ان الثقافة فيها راكدة بعض الشيء”.